سيـــاســة

بعد مرور 5 سنوات.. “الثورة” لم تحقق طموحات مصر وتونس

بعد مرور 5 سنوات.. "الثورة" لم تحقق طموحات مصر وتونس

شارك الخبر مع أصدقائك

الحماقى: «البطالة» شرارة الاحتجاجات موجودة بالسوق المحلية دون اهتمام حكومى
مبادرات السيسى لـ«SMEs» وضبط الأسعار.. مسكِّنات غير كافية
خبراء: التهميش الاجتماعى وارتفاع التضخم وتردى السياحة.. أبرز أوجه التشابه بين البلدين

سمر السيد وهاجر عمران

«مصر ليست تونس» بهذه العبارة حاول المسئولون قبيل اندلاع الربيع العربى عام 2011 إقناع المصريين بأن البلاد أكبر بكثير مما يحدث فى تونس من تحولات سياسية، مؤكدين أن الوضع المحلى غير قابل للمقارنة بأى بلد عربى، إلا أن الظروف أثبتت خطأ الاعتقاد أكثر من مرة، وانتفض المصريون مثل إخوانهم التونسيين فى يناير من العام نفسه.

وبعد 5 سنوات نجد أن المسار السياسى فى كلا البلدين قد اكتمل، وفى حين تشهد تونس موجة من الاحتجاجات العنيفة شملت أرجاء البلاد للمطالبة بالوظائف، فى أسوأ اعتراضات منذ إنهاء حكم الرئيس السابق زين العابدين بن على، تخشى السلطات المصرية من التداعيات المصاحبة للاحتفال بثورة 25 يناير.

غير أن قيادات البلدين تدعو شعبيها للتحلى بالصبر لإنجاز المهام الاقتصادية، وتقوم «المال» فى هذا الملف بمقارنة وضع مصر وتونس اقتصاديًّا وسياسيًّا من خلال رصد مؤشرات التضخم والبطالة وغيرهما، وتأثيرها على تعبئة الشعب ودفعه للانتفاض.

أكد المحللون وخبراء الاقتصاد أن ثورتى البلدين لم تؤتيا حتى الآن ثمارهما نتيجة عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع مؤشرات البطالة، إلا أنهم قالوا إن الحكومة المصرية قامت بتنفيذ عدد من البرامج الاقتصادية التسكينية، مثل مبادرات توفير السلع بأسعار مخفَّضة ودعم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما تداركته الآن تونس.

وحذّرت يمنى الحماقى، الخبيرة الاقتصادية، من معاناة السوق المحلية من الشرارة التى فجّرت احتجاجات تونس مؤخرًا، والتى تتمثل فى البطالة، مشيرة إلى أن الحكومة تتغافل وضع استراتيجية للتوظيف والقضاء على البطالة.
وخلال الأسبوع الماضى، اجتاحت تونس تظاهرات لشبان غاضبين يطالبون بالوظائف فى عدة مدن، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق آلاف المحتجين بعد انتحار شاب عاطل عن العمل، وفرضت وزارة الداخلية حظرًا للتجول.

وكان المتحدث باسم الحكومة التونسية خالد شوكات قد صرّح قائلًا: «الحكومة ليس لها عصا سحرية لتغيير الأوضاع فى البلاد، ولكن ستبدأ فعلًا هذا العام عدة مشاريع هناك؛ سعيًا لامتصاص معدلات البطالة المرتفعة».

وأكد محافظ البنك المركزى هناك أن سنة 2016 ستكون صعبة، وقال: «وعلى التونسيين أن يصبروا»، موضحًا أنه من بين العوامل التى تؤثر على الاقتصاد، الاستقرار الأمنى والسياسى، والسلم الاجتماعى، وإعادة نسق الإنتاجية والعمل؛ للتمكن من تقليص الواردات وزيادة الصادرات.

وقالت يمنى إن المسئولين بمصر دائمًا ما يصفون الأوضاع فى مصر بأنها مختلفة عن تونس، إلا أن التجارب أثبتت تشابه بعض السيناريوهات فى البلدين، لافتة إلى أن مراكز بحثية عدة، منها مركز بصيرة، أجرت استطلاعات للرأى العام، وخلصت إلى أن مشكلة البطالة على رأس أولويات الشباب.

وأضافت أن مشكلة البطالة لا يجب قصرها على توفير الحكومة بعض فرص العمل، ولكنْ تحديد فرص العمل المطلوبة، وتدريب الشباب على الوظائف التى تحتاج إليها.

ووفقًا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، سجّل معدل البطالة %12.8 من تعداد السكان الذى ارتفع بقيمة %11.5 ليصل إلى 90 مليون نسمة فى ديسمبر الماضى، مقارنة بـ79.6 مليون نسمة فى 2011.

بينما سجلت البطالة بتونس، خلال الربع الأول من 2015، نسبة %15.3، مقارنة بـ%12 فى 2010، ويقدر عدد العاطلين عن العمل  حاليًا فى تونس، بـ461.4 ألف شخص فى مارس من العام الماضى، منهم 222.9 ألف عاطل من حاملى الشهادات العليا، وفقًا للجهاز الوطنى للإحصاء التونسى، وسجّل عدد السكان بتونس فى 2014 نحو 10.982 مليون نسمة، بزيادة %5، مقابل 10.432 مليون فى 2010.

وأشارت يمنى إلى أن الحكومة لم تستكمل خططًا سابقة للتدريب والتوظيف، منها مبادرة توجيه 100 مليار جنيه للتدريب، والتى أعلن عنها الدكتور سمير رضوان وزير المالية الأسبق، وتابعت: لن تتحقق التنمية إلا بتوفير فرص عمل للشباب وزيادة تشغيلهم.

وحذّرت من مشكلة زيادة أسعار السلع وتفاقم التضخم، مشيرة إلى أن عدم انعكاس ثمار النمو على حياة الأفراد، يعتبر من أهم الأسباب التى تؤدى إلى ثورات الشعوب وانتفاضها.

وارتفع المعدل السنوى للتضخم ليسجل نحو %11.06، مقارنة بـ%9.12 فى 2010، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن البنك المركزى ديسمبر الماضى.

ووفق الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض الرقـــم القياسى العام لأسعـار المستهلكين، لشهر ديسمبر الماضى، بنسبة %-0.1 عن نوفمبر السابق عليه.

غير أن الخبيرة الاقتصادية قالت إن هناك توجهًا سياسيًّا من الدولة لوضع حلول مؤقتة لأزمة ارتفاع أسعار السلع والتضخم، مشيرة إلى مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسى لخفض الأسعار.

كان السيسى قد تعهّد بتوزيع 1.5 مليون صندوق من السلع الأساسية على المناطق الأقل دخلًا فى أقرب وقت، وكثّفت عدة وزارات مثل التموين والزراعة، جهودها على مدار الأسابيع الماضية لتنفيذ تعليمات الرئيس، حيث طُرحت وجبات بسعر 30 جنيهًا بالمجمعات الاستهلاكية، كما افتتحت القوات المسلحة منافذ عدة لبيع منتجات بأسعار أقل، فضلًا عن الإعلان عن طرح لحوم بسعر منخفض لمواجهة الغلاء.

ومن جهته، استبعد الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد، الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أن ينتفض المصريون مثل التونسيين بالتزامن مع احتفالات ثورة يناير، لافتًا إلى أن الاحتفالات بالذكرى الخامسة لثورة الياسمين، شهدت إحراق محتجون لمراكز الشرطة فى عدة مدن وفى العاصمة تونس، وهاجم العشرات محالاً تجارية وبنوكا، وسجلت عمليات نهب وتدمير المؤشرات الاقتصادية للبلدين. 

وقال إن الظروف التى أدت إلى اندلاع ثورة 2011 فى البلدين كانت متشابهة، ومنها سيطرة طبقة معينة على جنى الدخل، إلا أن هناك الكثير من البرامج الاقتصادية التى وضعتها الحكومة المصرية حاليًّا، والتى تستهدف رفع النمو حتى وإن لم يظهر صداها على المدى القصير.

وأضاف أن أى ثورة يعقبها أزمات اقتصادية نتيجة عدم الاستقرار الأمنى والسياسى، إذ لا يتأثر الاقتصاد بعدم الاستقرار الأمنى والسياسى.

وأشار إلى أن الكثير من المؤشرات الاقتصادية متشابهة حاليًّا بين مصر وتونس من انحفاض فى أهم مصادر الدخل القومى سواء على مستوى الصادرات وإيرادات السياحة، بجانب أن المناخ العام أصبح طاردًا للاستثمارات الأجنبية والمحلية والسياحة أيضًا.

وفى تونس الوضع ليس أفضل مما هو عليه فيما يتعلق بالسياحة، إذ أدت التفجيرات الإرهابية إلى خفض أعداد السياح، وبالتالى إيرادات النشاط خاصة بعد حادث يوليو الماضى فى مدينة سوسة الساحلية، والذى استهدف فندقًا على الساحل الشرقى التونسى، وأسفر عن مقتل 38 شخصًا أغلبهم بريطانيون.

وأكد عبدالحميد أن المشروعات القومية التى أعلنتها الحكومة المصرية فى الفترة السابقة وأبرزها المليون فدان وقناة السويس الجديدة والتى استهدفت زيادة نسب التشغيل لم تحقق عائدًا كبيرًا، مؤكدًا حاجة البلاد لمشروعات متوسطة وصغيرة لخلق فرص عمل على المدى الصغير والمتوسط.

وتابع أن مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى لتوفير 200 مليار جنيه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة غير كافية، إلا أنها من المسكنات.

وأطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى مبادرة يتبناها القطاع المصرفى لضخ 200 مليار جنيه لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة على ألا تقل نسب قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال الـ 4 سنوات المقبلة عن %20 من إجمالى القروض المصرفية.

وكان السيسى قد أكد مؤخرًا فى خطابه بمناسبة أعياد الشرطة أهمية أن يصبر الشعب على الحكومة فى الإجراءات الإصلاحية وعلى رأسها إقرار مجلس النواب لقانون الخدمة المدنية.

وذكر أن من أحد نقاط الاختلاف، أن مصر تمتعت بدعم عربى واسع سواء ماليًّا أو معنويًّا عقب الثورة، ما أدى إلى مساندة الاقتصاد وعلى رأسها المساعدات الخليجية التى لم تتوقف حتى الآن، وهو ما لم يحدث فى تونس.

وقال السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن هناك تغيرًا نسبيًّا بين البلدين من خلال النمو فيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية، إلا أن كلا البلدين لم يحدث فيهما تقدم اقتصادى كبير كالذى نادت به ثورتى البلدين، لكن من أهم النتائج المشتركة هو كسر حاجز الخوف لدى الشعبين.

لكنه يرى أن مصر أفضل حالًا من تونس خاصةً بعد إطلاق سلسلة من المشروعات القومية وأبرزها القناة الموازية لقناة السويس بما خلق توزانًا نسبيًا إلا أنها لم تحقق أهم مطالب ثورة يناير، وهو العدالة الاجتماعية نظرًا لارتفاع الفوارق بين الطبقات وارتفاع الأسعار.

وفى أحدث التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولى 19 يناير الماضى تحت عنوان «مستجدات آفاق الاقتصاد العالمى»، أبقى على توقعاته للنمو الاقتصادى لمصر عند %4.2 لعام 2015 و%4.3 للعام الجارى 2016، متوقعًا وصول التضخم إلى %11 وانخفاض البطالة لتكون %12.9 نهاية 2015 تخفض لـ%12.4 فى 2016 مقابل %13.4 فى 2014.

وأضاف أحمد أن مصر تتميز بإمكانيات اقتصادية تفوق تونس، مشيرًا إلى أن المشروعات الاقتصادية التى أعلنتها الحكومة مؤخرًا وإن لم تأت بجدوى فى توفير فرص عمالة حاليًا إلا أنها ستأتى بصداها فى المستقبل، ومن بينها مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتوقع صندوق النقد الدولى، فى تقريره السنوى «الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2015»، أن يبدأ الاقتصاد التونسى فى تحسن ملحوظ فى 2017، بتحقيق نسبة نمو 4% على المدى المتوسط.

وكشفت المؤشرات أن نسبة النمو فى تونس ستكون فى حدود %2.5 أواخر 2016، وستقفز فى 2017 لمستوى %4، لتصل إلى %5 فى 2019، ثم تتراجع إلى %4.7 فى 2020.

وتنحصر نسبة التضخم بين عامى 2016 و2020 وفق أرقام «النقد الدولى» فى مستوى %4، وهى نسبة وصفها محافظ البنك المركزى التونسى الشاذلى العيارى بـ«المطمئنة ويجب العمل على أن تستقر فى هذا المستوى».

وأكد أحمد تحقق بعض أهداف الثورة فى مصر، وهو توفير الخبز والسلع المدعمة بالمجمعات الاستهلاكية، لكن هناك ارتفاع للتضخم، ولم توفر مشروعات كبيرة فرص عمالة كبيرة، مع انخفاض الأجور والرواتب.

ولفت إلى تذبذب ترومومتر الاقتصاد وفق تعبيره وهو السياحة؛ نتيجة الحوادث الإرهابية المشتركة، وهما حادثا سوسة وإسقاط الطائرة الروسية بشر الشيخ، مما خفض بدوره أعداد السياحة فيهما، وارتفاع معدلات البطالة بالبلدين.

واحتلّ القطاع السياحى صدارة مصادر النقد الأجنبى قبيل 2011، إذ حقق إيرادات بقيمة 12.5 مليار دولار، قبل أن تنهار إلى 6.1 مليار دولار فى 2015، وتُرجع وزارة السياحة المصرية تدهور إيرادات القطاع السياحى العام الماضى لعدة أسباب من بينها تدهور الروبل الروسى مقابل الدولار، مع استمرار تحذيرات السفر من عديد من الدول المصدرة بسبب الأحداث الإرهابية.

وتعد السياحة أحد أعمدة الاقتصاد فى تونس، إذ تشغل 400 ألف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة، وتسهم بنسبة %7 من إجمالى الناتج المحلى الإجمالى، وتدر ما بين 18 و%20 من دخل تونس السنوى من العملات الأجنبية.

وفى نفس الإطار، قال السفير حسين هريدى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن تردى أوضاع السياحة والبطالة والتهميش الاجتماعى تعتبر من أهم أوجه التشابه بين البلدين خلال الفترة الحالية، لافتًا إلى أن حكومتى البلدين تحاولان تنشيط الاقتصاد والاستثمار الأجنبى إلا أن الوضع الاقتصادى لا يزال حرجًا.

غير أن هريدى قال إن البلدين يتمتعان بتأييد كبير من مؤسسات التمويل الأجنبية والدول العربية.

وأشار إلى أن حركة النهضة فى تونس تعلمت الدرس، مما حدث فى مصر فى 30 يونيو الماضى، فى حين أن الإخوان فى أدخلوا البلاد فى موجة من الإرهاب الأسود، مشيرًا إلى أن شعبى البلدين قاما باختيار مؤسساتهم السياسية من خلال انتخابات حرة ونزيهة وهو من أهم نقاط القوة.

ولفت هريدى إلى أن تردى الأوضاع السياسية فى ليبيا لا يزال يمثل تهديدًا مشتركًا بين مصر وتونس، ويؤثر على أمن كلا البلدين، نظرًا للقرب الجغرافى.

شارك الخبر مع أصدقائك