برامج الصندوق لتمويل الدول الأعضاء‮ ‬

شارك الخبر مع أصدقائك

يحيي المصري

لا يعارض صندوق النقد الدولي في منح قروض للدول الأعضاء تزيد علي القروض المسموحة لها وفقاً للمادة الأولي من اتفاقيته التي تنص علي انه من أغراض الصندوق »توفير الثقة للأعضاء عن طريق إتاحة الموارد العامة للصندوق لهم بصفة مؤقتة في ظل ضمانات كافية مما يمكنهم من إصلاح الاختلالات في موازين مدفوعاتهم دون اللجوء لاجراءات من شأنها الاضرار بالرخاء الاقتصادي القومي والعالمي«.

وطبقاً لذلك فإن العضو من حقه استخدام موارد الصندوق عن طريق سحب عملته، أو سحب مبلغ معادل لها من عملات الأعضاء الآخرين، أو بوحدات حقوق السحب الخاصة، وذلك دون أي شروط وعلي أن يقوم بسدادها للصندوق خلال فترة معينة غالباً ما تكون من ثلاث إلي خمس سنوات، وذلك مقابل رسوم يتحملها العضو في حدود%1.5  بالعملات المسحوبة أو بوحدات حقوق السحب الخاصة.

كما يسمح الصندوق للأعضاء الاقتراض منه بمبالغ تزيد علي ذلك ولكن بموجب برامج يتم الاتفاق عليها معه ولأغراض تنموية أو لظروف طارئة يراعي فيها الاعتبارات التالية:

> الاحتياجات التمويلية للعضو

> قوة البرنامج الاقتصادي المتفق عليه

> مدي تعاون الدولة مع الصندوق

> قدرة الدولة علي السداد

> موقف استخدام العضو من تسهيلات الصندوق

> مدي السيولة المالية المتاحة للصندوق

وقد سبق أن استفادت مصر من هذه البرامج ونفذت أربعة منها مع الصندوق تم الاتفاق عليها بين الطرفين (عرضت تفصيلياً في المقال السابق)، غير أن برامج الصندوق كانت تهدف إلي مراعاة الأهداف التي نشأ من أجل تحقيقها في الدرجة الأولي، وهي الوصول إلي عالم متحرر من القيود النقدية وإتمام المعاملات بين الدول بسعر صرف ثابت، بينما لم تكن هذه البرامج تهتم بالنواحي الاجتماعية التي تسود الدولة ولا بعلاج الفقر الذي ينتشر فيها.

ولقد وجهت هذه البرامج بانتقادات حادة من نسبة كبيرة من الدول النامية الأعضاء، وتكونت لبلورة هذه الانتقادات جمعية أطلق عليها »خمسين عاماً تكفي« نشأت بعد مرور حوالي خمسين عاماً من قيام الصندوق، وهي الجمعية التي تحشد المظاهرات في الدولة التي يجتمع فيها الصندوق سنوياً، وذلك لإظهار هذه الانتقادات أمام المجتمع الدولي ولدفع الصندوق إلي تغيير سياساته بحيث تستفيد منها الغالبية العظمي من فقراء العالم، ولتخفيض الشروط القاسية التي يضعها الصندوق عند استخدام موارده للدول النامية والفقيرة.

وخلال السبعينيات، ومع تزايد اتجاه الدول النامية غير البترولية إلي الاقتراض من الخارج لتمويل العجز الخارجي الضخم، تراكمت الديون الخارجية بشكل خطير، الأمر الذي دفع الصندوق إلي اعادة هيكلة وظائفه ليتعامل مع الظروف والتحديات الجديدة، فابتكر تسهيلات أطلق عليها »التسهيلات البترولية« وبدأ في منحها، اعتباراً من عام 1974 بموجب برامج أعدها لكي تتمكن الدول النامية الأعضاء من علاج السياسات الانكماشية التي كانت تقوم بها، نتيجة ارتفاع أسعار البترول في السبعينيات ومن بينها تخفيض أسعار الصرف وتكثيف حواجز التجارة وزيادة القيود النقدية التي تتعارض مع أهداف الصندوق.

وقد تبني الصندوق استراتيجية خاصة لمساعدة الدول الأعضاء علي اتخاذ عمليات التكيف والتصحيح الاقتصادي، وفي ضوئها اتخذت الدول الصناعية اجراءات حازمة لتخفيض الاختلالات في موازين مدفوعاتها، كما عقدت الدول النامية عدداً من الاتفاقيات في اطار ما تمت تسميته بـ»ترتيبات المساندة لتدعيم برامج التكييف« والتي كانت تستمر لفترة عشر سنوات، وكانت مصر من بين الدول التي عقدت اتفاقيات المساندة مع الصندوق منذ عام1987  ، غير أن هذه الاتفاقيات كانت محل نقد من غالبية الدول الأعضاء لما تتضمنه من شروط قاسية.

وتمثل برامج التكييف العنصر الثاني لاستراتيجية الصندوق للدين الخارجي كما أنها شرط من شروط الحصول علي التمويل، حيث كانت تنطوي علي اجراءات صارمة لم تظهر في البرامج السابقة للصندوق، فعلي سبيل المثال كان البرنامج الذي بدأت المكسيك تطبيقه مع بداية عام1983 وهو أول برنامج للصندوق، كان يتضمن تخفيض معدلات التضخم وتعديلاً لوضع ميزان المدفوعات من حالة العجز إلي تحقيق فائض، كما كان من أهم أهداف البرنامج تحسين الوضع التمويلي للقطاع العام، وذلك بتخفيض عجز موازنة القطاع العام من%16.5  من الناتج المحلي الاجمالي عام1982  إلي%8.5  عام1983  ثم إلي %3.5  عام1985 ، كما تضمن البرنامج أيضاً اصلاحات ضريبية وزيادة أسعار السلع والخدمات المقدمة من المشروعات المملوكة للدولة، بالإضافة إلي تخفيض الانفاق الحكومي وزيادة الادخار المحلي عن طريق رفع أسعار الفائدة لمستويات أكثر تنافسية في الوقت الذي وضعت فيه قيود محددة للتوسع في الائتمان المصرفي، كما تقرر أن يتم تخفيض سعر الصرف المدار بواسطة الحكومة وأن يتحدد يومياً في ضوء معدلات التضخم.

ولقد تمثلت الأهداف التي وضعها الصندوق لبرامج التكيف فيما يلي :

استعادة الثقة في الدول المدينة علي نحو يدعو لاستئناف تقديم القروض وهو الطريق الأساسي للخروج من الأزمة ولا يأتي ذلك إلا عن طريق اعادة توجيه سياسات الدول المدينة لاستعادة قدرتها علي خدمة ديونها الخارجية.

الحفاظ علي استمرارية الجدارة الائتمانية للدول المدينة وقدرتها علي خدمة ديونها الخارجية، بالإضافة إلي قدرتها علي جذب رؤوس أموال جديدة، الأمر الذي يتطلب قيام الدول المدينة باتخاذ تدابير حاسمة لتحسين وضع موازين مدفوعاتها.

تحقيق توازن داخلي وخارجي للدول النامية من خلال تهيئة الظروف لتحقيق معدل نمو اقتصادي كبير.

فضلا عن الدور القيادي الذي لعبه الصندوق في تطبيق استراتيجية الدين فقد قام الصندوق بدور فعال لمنع حدوث أزمة مديونية جديدة من خلال دوره الرقابي علي سياسات الدين الخارجي بالدول الأعضاء عن طريق التوسع في احصائيات الديون ومشاوراته المستمرة مع الدول الأعضاء، خاصة فيما يتعلق بمدي قدرة الدول عي خدمة ديونها الخارجية في الأجل المتوسط وقد أسفرت الجهود المنسقة بين الصندوق والأطراف الدائنة عن تقديم قدر ضخم من التمويل للدول المدينة لمساعدتها في الأداء الاقتصادي.

ولا ينكر أحد ما حققته برامج التكييف الاقتصادي لصالح الدول النامية، غير أنها لم تكن تراعي الوضع الاجتماعي الذي يسود الدولة، ولا حاجة الفقراء للعيش الكريم، بقدر ما كانت تراعي تحقيق أهداف الصندوق، حيث كان أغلبها يتم لصالح الطبقات الغنية، وهو ما أدي إلي إنشاء جمعية »خمسين عاماً تكفي« السابقة الإشارة إليها، والتي ظلت تناضل حتي شهر يونيو الماضي عندما تم تعيين المديرة الجديدة للصندوق التي أكدت في كلمتها الافتتاحية خلال اجتماعات واشنطن الشهر الماضي، تركيزها في العمل علي مساعدة الطبقات الفقيرة وتغيير سياسات الصندوق لتتفق مع هذا الهدف.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »