رجائى عطية

براءة الأديان من مغالطات التفاسير، وأغراض السياسة (5)

شارك الخبر مع أصدقائك

تكاد الرواية التى انتقاها بوش الجد الأعلى، فيما عدا شطرها الأخير المقحم لشعب إسرائيل لأغراض لا تفوت ـ تكاد هذه الرواية بغير هذا الشطر، أن تقابل ما رواه القرآن المجيد فى سورة البقرة.. يقول تبارك وتعالى : «أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـى هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة 259).

ويلحظ القـارئ للآيـات القرآنية، أنهـا لـم تورد أسماء لأماكن أو أشخاص، وأن العبرة المستقطرة منها تنصب على قدرة الخالق عز وجل على إحياء الموتى ـ أى موتى، وأن المثل المضروب لمن أميت مائة عام ثم أحياه الله هو لبيان كيف تمثلت أمامه قدرة الله تعالى وهو يرى كيف صار حماره عظامًا ولم يصب طعامه وشرابه عفن، ويرى كيف يضم الله تعالى بقدرته هذه العظام البالية ويكسوها لحمًا، لتبين له وللناس كيف أنه سبحانه وتعالى على كل شىء قدير.

أما رؤيا حزقيال التى اختلفت صياغاتها العبرية عن اللاتينية عن اليونانية عن العربية عن الإنجليزية بسبب قدم العهد القديم الذى وضع على مدى قرابة ألف عام وجمع فى نحو ألف عام أخرى من1100 ـ 200 ق.م، ووردت على نصه العبرى ترجمات متراكبة متعددة، فإن التفاسير والنقاد قد اختلفوا فى شأن الرؤى العديدة والمعقدة التى رواها حزقيال، واختلفوا أيضًا فى شأن هذه الرؤيا.. أما تفسير بوش الجد الأعلى فيلـوى هذه الرؤيا لرجل بنى إسرائيل الموجهة أساسًا إلى اليهود المسبيين فى بابل (فى القرن السادس قبل الميلاد) مواسية ومبشرة بالخلاص من السبى البابلى، وهو ما أكده البابا شنودة الثالث فى حديثه للأهرام 2003/8/26، بيد أن بوش الجد الأعلى يخالف كل معقول ليسحب هذه الرؤيا على العصر الحاضر بعد ما يزيد على 2500 سنة.. يتخذ منها وغيرها، سلماً لتفسيرات سياسية لرسم خريطة الكرة الأرضية على هواه !

وكما يلفق بوش الجد تفسيرًا مغلوطًا لرؤيا حزقيال ونبوءة إشعيا، تبشيرًا بالتجمع اليهودى فى فلسطين، يعود إلى ذات النمط التلفيقى المغلوط فى نبوءات إرميا الذى عاصر نبوخذ نصر وأطلق نبوءاته فى فترة اتسمت بالخراب والسقوط فى يد بابل سنة 586 ق. م، بيد أن بوش الجد الأكبر ينتزع أحاديث إرميا من سياقها وظروفها ومن الخلاص من السبى ليربطها بدولة يبشر بأنها ستقوم فى فلسطين بعد أكثر من 2500 سنة.. بينما نرى الباحث مونتجمرى وات يشهد بأنه قد صار بين رجال الدين بالفاتيكان من أدرك ـ بعد البحث العميق ـ أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو نبى مرسل من الله على نحو ما، وأن القـرآن الكريم وحـى إلهى بشكل أو بآخر، ولينكشف الغطاء عن الفكر الملبوس الذى تبناه الواعظ مدرس العبرية جورج بوش الجد الأعلى فى كتابيه!

ليس صعبًا على أى مراقب أن يربط بين هذا الفكر القديم الملبوس، وبين عبارات قيل إنها أفلتت من الحفيد بغير عمد ـ عن حرب صليبية جديدة، وبينها وبين سياسـات تتجسد كل يوم فى اتجاه لا تخطئه عين، ولا يمكن أن تعزى لانفلاتةٍ غير مقصودة، فآية هذا القصد ـ المشاهد الجارية فى إطار مخطط شامل ينفذ على خطوات بدءًا من أفغانستان، وتثنية بالعراق، وتثليثا بخطوة أخرى لم يعد التدبير لها خافيا، ضمن رؤية منسوبة لإدارة ما يسمى بالمحافظين الجدد أو السلفية المسيحية الصهيونية التى تبشر بأن من أمارات المجىء الثانى للمسيح، تحول اليهود إلى المسيحية، وتجمع الجميع فى فلسطين ! فهل انكشف المستور وتجلى المراد القديم الممدود من هذا الفكر الملبوس؟!!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »