رجائى عطية

بالتراجع والخذلان!

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:
 
الهزائم ثمرة محققة للاستخذاء والتخاذل والتراجع، فكل هذه العوارض السلبية لا تنتج تقدمًا، وتسلس إلى التقهقر ثم الهزيمة. هذا واقع يدركه من يتأمل فى صنوف وأحوال الحياة، وفى دروس التاريخ. وطالعنى فى كثير من صفحات مذكرات السياسى الإنجليزى الأريب ونستون تشرشل عن الحرب العالمية الثانية.

يروى ببعض صفحاتها، أن ميجور أركان حرب ألمانى، من الفرقة الجوية السابعة الألمانية، طار بطائرة ـ بدل القطار الذى فاته ـ حاملا وثائق مهمة إلى القيادة العامة فى كولون، وأخطأت طائرته فى خط الحدود الفاصل واضطرت إلى الهبوط اضطراريًّا فى الأراضى البلجيكية، حيث اعتقلته القوات البلجيكية واستولت على أوراقه التى حاول تدميرها فلم ينجح، وتبين أنها قد تضمنت الخطة الألمانية الكاملة التى أعدها هتلر لغزو بلجيكا وهولندا وفرنسا.

ولكن بلجيكا، وكانت لا تزال متأرجحة تمنّى نفسها بالأمانى أن تبقى على الحياد آمنةً جنونيات هتلر، أطلقت سراح الميجور الألمانى الذى عاد بما حدث إلى قادته، ليتيح لهتلر ـ بعد غضبةٍ هائلة ـ أن يعد خطة جديدة ومختلفة، بينما كان نقاش يدور فى هولندا وبلجيكا وفرنسا، يعتنق ـ مخدورًا ـ أن الخطة المضبوطة زائفة للبلبلة والتضليل، وهو نظر سقيم، فلا منطق يمكن أن يدفع الألمان إلى محاولة حمل البلجيكيين على الخروج من موقف الحياد الذى يزكيه الملك وقادة جيشه، بالاندفاع وراء الاعتقاد بأن الألمان سيهاجمونهم، ومن ثم الاشتراك مع الجيوش الفرنسية والبريطانية فى تحالف وخطة مشتركة، فذلك آخر ما يريده أو يسعى إليه الألمان!

لم يتردد تشرشل، وهوينعى على بلجيكا موقفها «المتردد» المنتظر، فى أن يدين سياسة بلاده وفرنسا التى أدت إلى هذه «الميوعة» و«التردد» و«الانتظار» فى الموقف البلجيكى.

فلو كانت السياسة البريطانية والفرنسية فى السنوات الخمس التى سبقت الحرب، قد ظهرت ـ فيما يقول تشرشل ـ بمظهر «الرجولة» و«التصميم»، والمحافظة على قداسة المعاهدات، وتمسكت بموافقة عصبة الأمم، لما ترددت بلجيكا هذا التردد، ولوقفت حتمًا إلى جانب حلفائها الأقدمين!

فتراجع فرنسا وإنجلترا، على مدى خمس سنوات سبقت نشوب الحرب العالمية الثانية، لم يعزز فقط صعود النازية، ولكنه فَتَّ أيضًا فى المعسكر الذى كان يجب أن يضم الحلفاء للتصدى لأطماع هتلر!

كان انضمام بلجيكا ـ التى تراجعت منتظرة ـ كفيلاً لو تم فى وقته، بتشكيل درع مكين على طول الخطوط البلجيكية الممتدة إلى البحر، يقى من حركة «الالتفاف» الخطرة التى كادت تؤدى إلى دمار قوات الحلفاء ببداية الحرب العالمية الأولى فى عام 1914، وهى هى حركة الالتفاف التى أدت فعلاً ـ فيما يقول تشرشل ـ إلى دمار فرنسا فى عام 1940.

كذلك كان من هذا التراجع، انكماش الولايات المتحدة، الذى لم تخرج منه إلاَّ بعد تدمير أسطولها وقواتها فى بيرل هاربور!

وكان من هذا التراجع، حملة «رمزى ماكدونالد» رئيس الوزراء البريطانى الأسبق ـ لنزع سلاح فرنسا!

وكان من هذا التراجع حوادث الإذلال والانتكاس المتكررة ـ بتعبير تشرشل ـ التى تقبلتها بريطانيا وفرنسا، بخضوعهما لحوادث خرق الألمان المتعددة للبنود المتعلقة بالتسلح فى معاهدة فرساى التى تعددت خروقات هتلر لها!

وكان من هذا التراجع ـ الخضوع لخرق ألمانية الهتلرية بنود المعاهدة فى منطقة الراين!

وكان من هذا التراجع التسليم بابتلاع النمسا، وميثاق أو مأساة ميونيخ، والقبول باحتلال الألمان لتشيكوسلوفاكيا، وتوزيع لحم الفريسة بين ألمانيا وبولندا والمجر!

فلا يحق إذن ـ فيما يصارح به تشرشل بلاده ـ لمن كانوا مسئولين فى بريطانيا وفرنسا عن هذا التراجع المتعدد، أن يلوم البلجيكيين، إزاء هذا الاستخذاء، على إيثارهم التزام سياسة الحياد، وتعلقهم بالأمل العابث فى قدراتهم على الصمود فى وجه الغزاة الألمان أمام حدودهم المحصنة، حتى تصل الجيوش البريطانية والفرنسية لتقدم لهم الغوث والنجدة!

لا أظننى أسعى بهذا الدرس إلى إسقاط، فما عانيناه هنا فى مصر من تراجعات على مدى سنوات، لا يحتاج بيانه إلى إسقاط.. فهو ماثل بنتائجه المرة أمام أعيننا، فقد كان الأداء الرسمى، والتراجع أو السكوت الشعبى، هما سبب ما انفجر أخيرًا فى وجهنا على كل الأصعدة!

أخطر الأخطار، طلب السلامة ببذل الاستكانة والخضوع!

فلا سلامة لمن لا نخوة ولا كرامة له!

ولا رجاء فيمن يغلبه الخوف ويقعد به الجبن، عن اتخاذ الأسباب وخوض الغمار!

لا يزال أمامنا الكثير للتقدم إلى ما يجب أن يكون!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »