بئر الخيانة‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لبعض الناس قدرة عجيبة علي لوي الأشياء، وتسميتها بغير مسمّاها فتقلب المعاني والقيم إلي أضدادها، فتعتبر الخديعة أو الخيانة شطارة،  وقد تعد السطو فروسية، أو تصم الحذر من الخيانه بأنه  جاسوسية، وتخلط المباديء بالسياسة والسياسة بالمباديء، لتختار حين تريد المسمّي الذي تريد!
 
قرأت مؤخراً رواية لقصة مؤسفة سقطت في بئر الخيانة حتي القاع، ومع ذلك لا تري ما كانت فيه من خسة وإفك ووضاعة، والأغرب أن تحرص علي روايته للناس، لا تري ولا تستطيع أن تري ما سقطت فيه، وتتصوره من قصص البراعة في مقاومة السياسة انتصاراً للمباديء والدعوات، مع أن ما فعلته هو عين السياسة ولكن في ضعة وخسة أبعد ما تكون عن القيم والمباديء الدعوية التي تتشح بها وتأخذ علي الآخرين مخالفتهم عنها!
 
لا تجد مجرما أو صاحب خطيئة إلاّ ويحاول تبرير جرمه، وقد يرتاح بينه وبين نفسه إلي تبريره المصطنع.. هذا ما يسميه علماء النفس بحيلة ” التبرير”، وهي من الحيل والآليات الدفاعية التي يهرب بها الآدمي من مواجهة ذنبه أو خطيئته.. والتبرير كذب واحتيال علي النفس، ولكن باللاوعي، بيد أنه إذا استهدف التبرير إقناع الآخرين خرج من منطقة اللاوعي إلي منطقة الوعي، وصار كذبا مكشوفا لصاحبه، ولذلك فغالبا ما يسعي لتغليفه ليخيل علي الآخرين، ويتقبلوا ما يسبغه علي أفعاله السيئة أو المخادعة أو المنحطة من تبريرات تردها إلي الحصافة أو النباهة أو السواء!!
 
لا يختلف أحد علي أن الطعن في الظهر ذميم لا ينتمي إلي شمائل الفروسية أو شجرة المبادئ.. فلا بد له إذن من تبرير حتي لا يصطدم الطاعن بالفروسية والمبادئ التي يتظاهر بالتمسك بها.. وهذا التبرير معروف في علم النفس ولدي علمائه وأطبائه، ولكن العجيب أن يقدم التبرير إلي الناس فيكشف سعيه لتبرير فعلة ذميمة لا يقرها الدين ولا الأخلاق وإن تفشت فـي دنـيا السياسة!
 
ربما كان عذر صاحب ” آلية ” التبرير، أنها عملية تلقائية تجري في اللاوعي، فلا يلمسها بدقة أو بوضوح، ولكن حال التبرير يمضي بلا عذر ولا ذريعة إذا كان مجدولا في منطقة الوعي، يتشح اتشاحا كاذبا بالدين ليمضي إلي نقيض الدين، وبالمبادئ التي ينقضها ويريد انخداع الناس بذرائعه وربما بتباريكهم لها!!
 
لست أريد أن أشغلك بماذا فعل السيد الراوي الأريب ؟! ولا بتفاصيل ما روي تدبيره وتخطيطه وترتيبه ولقاءاته  سراً  وراء أستار الخفاء ليدبر بليل طعن من أراد طعنه في الظهر، ولا تفاصيل ما استباح به أن ينسج خيوط مؤامرة خسيسة يستعين فيها بالشيطان للطعن غيلة، ولكن العجيب اللافت أن  يعتب علي رفاقه أنهم حذرا منه رصدوا ووثقوا ما فعل،  واعتبر رصدهم تجسسا ومواجهتهم له خيانة دون أن يستطيع توصيف ما يفعله هو بتوصيفه الصحيح! ومع أن أمارات هذه الخيانة فاحت من قبل أن يفصح المتفاحص عنها بل وكررها قبل ذلك الإفصاح مرتين، حتي بلغت بالتكرار حد الإدمان، إلاّ أنك لن تستطع أن تقاوم ذهولك من جرأته الغير متفطنة علي سرد ما فعله، ناهيك بالتباهي به، فلم نعرف قط صاحب خيانة نكراء يتباهي بخيانته، أو مقارف جرم يتفاخر بجرمه، أو جانحا عن الحق يستعرض جنوحه في فخر وكأنه سطر به صفحات للبطولة والمجد.. يبدو أن تكرار المغالطات واستعارة المبررات واستمراء الحيل، يطبع في النفس خللا تفقد به القدرة علي النظر وموازنة الأمور والتمييز بين الحق والباطل، وتصاب من جرائه بعمي ضرير لاتري  معه قبح ما تفعل ناهيك بأن تفخر وتتباهي به!!
 
علي قدر ما يصيب القاريء من امتعاض وهو يقرأ تفاصيل خطة وخطوات الخيانة التي سطرها بطلها بيراعه، علي قدر ما يشفق من انعدام فطنة الراوي المتباهي وعمي بصيرته، ويشكر لله عزّ وجل أنه سبحانه يمهل ولا يهمل،  فجعل الفاعل نفسه يقدم بيده تفاصيل ما اقترفه خلافا للدين والحق والقيم والأخلاق! ليلحق به الخزي وبفعلته النكراء التي ساقها علي سبيل التفاخر والمباهاة!!
 

شارك الخبر مع أصدقائك