شريف عطية

انعتاق النخبة من «إدمان الفشل» بين مصر التاريخية والسودان الجديد.. ولو طال السفر

شارك الخبر مع أصدقائك

يتزامن تحرر الاستثنائية السوسيولوجية للثنائية بين مصر والسودان تحت الاحتلال البريطانى فى العام 1956، قبل أن ينفصل كل منهما فى طريق تختلف معالمه عن الآخر، لم تكن تحديات أيهما أقل من معاناة صنوه، إذ تعقبت الإمبريالية الغربية إرث مستعمرتيها القديمتين، سواء من خلال ما خلفتها لهما من كمائن حددوية أو سياسية أو ضغائن سيكولوجية.. إلخ، عجزت حداثة الخبرة المجتمعية للحكام الجدد عن معالجتها أو تفادى توابعها، سواء من جهة الشرق أو جنوباً، ولنحو ستة عقود تالية.. تمكنت خلالها الحركة الإسلامية فى البلدين من التسلل إلى مفاصلهما، سواء فى مصر مطلع 2011.. لولا أن أفلتت من مخاطرها عبر ثورة الشعب والجيش فى يوليو 2013، أو سواء فى السودان يونيو -1989 ولثلاثة عقود تالية- قبل أن تسقطها ثورة الشعب والجيش فى أبريل 2019، ذلك كأخطر تحديين واجهتهما كل من مصر والسودان منذ استقلالهما 1956، لا يزالان يتعاملان مع فلولهما إلى اليوم، كمأزق مشترك لا خلاص لأيهما منه سوى بالتضامن مع الآخر، ما يمثل مسئولية مصرية فى المقام الأول من واقع رؤيتها التاريخية وأولوياتها الجيواستراتيجية، ونظراً لحرج المسألة السودانية من جانب ثالث، إذ تتراكم ميئوساتها نظرًا للمنعرجات السياسية عن ذلك التناقل المثير للسلطة بين العسكريين والحزبيين (ثلاثة إلى ثلاثة) منذ خمسينيات القرن الماضى إلى نهاية العشرية الثانية من الألفية الميلادية الثالثة، تسللت خلالها الحركة الإسلامية عبر تلك الأنظمة الظرفية المتضاربة إلى أن قاربت منذ التسعينيات من أدلجة الجيش عقائدياً، إلى استضافة زعماء الإرهاب فى العالم (كارلوس – بن لادن.. إلخ)، إلى محاولة اغتيال الرئيس المصرى فى أديس أبابا 1995، إلى الحرب الدامية فى «دارفور» من 2004، وليس انتهاء بتقسيم السودان إلى سودانين، شمال وجنوب، يوليو 2011، ناهيك عن ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني- كمجرم حرب- وما إلى ذلك من مثالب كان من الطبيعى أن يواكبها مظاهر متفاقمة للفساد السياسى والمالى والإدارى، قبل اندلاع الثورة الشعبية فى ديسمبر 2018، لم يكن ليكتب لها التحقق لولا أن ظاهرتها عناصر من قيادات المؤسسة العسكرية، وقواتها، وليتوصل جناحاها المدنى والعسكرى منذ أبريل 2019 إلى صيغة مشتركة بينهما لإدارة الدولة- غير مسبوقة- فى التاريخ السياسى للسودان، واعدة ليبراليًا.. ونحو صيانة حقوق الأقليات.. إلخ، بيد أن أنصار وفلول النظام السابق التى ما زالت على تحكمها فى بعض آليات الدولة فيما يعرف بعضها بمسمى «الوحدة السيبرانية الجهادية» سواء فى الإعلام أو من خلال محاولات اغتيال كبار المسئولين إلى نشر الشائعات بغرض إرباك المرحلة الانتقالية، وفى التجسس على قيادات المشهد السياسى، ذلك فيما يقارب سلوكيات متبعة فى السيناريو المصرى من جانب جماعة الإخوان، وحلفائها الظرفيين لإفشال النظام فى البلدين ومنع التحامهما إلا تحت حكم الحركة الإسلامية مجددًا، وإذ رغم ضيق المجال لإمكانية عودتها مرة أخرى فإن محاولات قيام عناصرها بعمليات وبأعمال تخريبية ما زالت ممكنة.. نظراً لما خلفته فترات حكمهم لتصعيب إدارة الدولة لمن يأتى بعدهم، كما يراهنون مجددًا- بوصفهم التنظيم السياسى الأولى بالرعاية من جانب الإمبريالية الغربية التى تعود علاقتها بالحركة الإسلامية فى البلدين- مصر والسودان- إلى فترة الحرب الباردة والحرب فى أفغانستان، فضلاً عن تلقى أجيال متعددة من قياداتها دراسات جامعية، وما فوقها، فى الولايات المتحدة.

إلى ذلك تتوافق الأجهزة التنفيذية والقضائية فى السودان للإسراع فى محاكمة رموز النظام السابق، فى وقت أعلنت فيه عزمها تسمية حكام مدنيين للولايات، بهدف معالجة الأزمات المعيشية المتفاقمة، ولحسم الأمر مع المضاربين فى العملات الأجنبية، ومع المهربين للمعادن النفيسة (الذهب.. أولى خطوات السودان للاندماج مع الاقتصاد العالمى)، كما توصل مجلسا السيادة، والوزراء، وقوى إعلان الحرية والتغيير، الممثلون للمرجعية السياسية للحكومة الانتقالية فى السودان، إلى منظومة اتفاق حول العديد من قضايا المرحلة الانتقالية، تنفذ وفق مواقيت وجداول منتظمة ومحددة، لولا أن يشذّ حزب الأمة كدأبه تاريخيًا منذ الاستقلال- عن الإجماع- إذ يطالب بعقد اجتماعى جديد.. يتجاوز المنظومة المتفق عليها، ليس بهدف الإصلاح بقدر سعيه لفرض رؤية أحادية على الكتل المختلفة فى تحالف الحكم، ما يشير رغم واقعية التحركات الخارجية السودانية.. إلى صعوبات قد يشهدها السودان الجديد تحدّ من صلابة أوضاعه الداخلية، ما قد يعوق فتح صفحة جديدة فى التنسيق السياسى والأمنى والاقتصادى والمائى مع مصر.. (تعديل الخرطوم لموقفها من سد النهضة لصالح مصر.. التى بادرت من جانبها بمساعدة السودان فى مواجهته أزمة كورونا)، ذلك فيما تعاصر مع السودان- مع الفارق- معضلات تحديات متشابهة، من الضرورة بمكان أن تؤدى إلى انعتاق النخبة من «إدمان الفشل» بين مصر التاريخية والسودان الجديد.. ولو طال السفر.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »