انتخابات أكثر بياضاً

شارك الخبر مع أصدقائك

كانت معركة مكتومة تلك التي دارت رحاها منذ سنوات داخل الحزب الوطني بين فريقين تمت تسميتهما إعلاميا الحرس الجديد الذي تمثله أمانة السياسات ومجموعة رجال الأعمال بالحزب من جهة.. وبين الحرس القديم ويمثله قادة الحزب التاريخيون من جهة أخري..وانتهت تلك المعركة بنجاح الحرس الجديد في سيطرتهم علي المقاليد العليا للحزب كمرحلة أولي ثم انتقلوا بعدها الي مرحلة تسويق ونشر سياساتهم وتحديدا داخل الجهاز التنفيذي للدولة (الحكومة) عبر تسمية بعض وزراء الحكومة من بين المؤمنين بأفكارهم.. ثم تطلب الأمر في مرحلة لاحقة النفاذ داخل الدوائر الإعلامية.. فكانت تسمية رؤساء التحرير الجدد من جماعة الموالاة للحرس الجديد وبعض المحسوبين عليه.. وامتد نفوذ الحرس الجديد حتي وصل الي الإعلام الخاص وتحديدا الجزء المؤثر فيه وهو الفضائيات.. (جميع الفضائيات المصرية لرجال أعمال مصريين أعضاء بالحزب الوطني أو محسوبين عليه.. كما أن ثلاثة من كبار رجال الأعمال بالوطني سوف يطلقون قنواتهم الفضائية أوائل العام المقبل بهدف بسط نفوذ الحزب الوطني في مجال الميديا الفضائية).
 
ورغم أن رجال الحرس القديم هم الذين أسسوا وأداروا حزب الدولة الحاكم علي مدار ما يزيد عن ثلاثة عقود.. فإن خلاف الحرس الجديد مع نظيره القديم لم يكن مقصوراً علي ما هو جوهري فقط بل طالت انتقاداتهم ما هو شخصي.. عندما تحفظوا علي صورة بعض رجال الحرس القديم ورأوا أنها تسحب من صورة الحزب والنظام داخليا وخارجيا.. مثل عدم إجادة بعض أعضاء الحرس القديم التحدث بلغة أجنبية واحدة تسمح لهم بالتواصل مع الخارج.
 
الي أن جاء العام 2005 الذي شهد انتخابات مجلس الشعب وكانت بمثابة المحك والاختبار الرئيسي لقدرات الحرس الجديد في ممارسة السياسة علي الأرض وليس عبر عالم افتراضي.. وبسبب الغرور والرعونة الشديدة التي أصابت رجال الحرس الجديد بعد سيطرتهم علي مقاليد الحزب الحاكم.. فقد حقق الحزب الحاكم علي أيديهم فشلا ذريعا في تلك الانتخابات التشريعية ومني بهزيمة ساحقة.. ولم يحصد سوي %33 من مقاعد مجلس الشعب رغم التضييقات الأمنية علي مرشحي الأحزاب المنافسة..والتزوير الفاضح في دوائر مثل دمنهور ودائرة الدقي.
 
كان الراحل كمال الشاذلي وهو من قادة الحرس القديم ومهندس العمليات الانتخابية البرلمانية منذ ثمانينيات القرن الماضي.. وكان معروفا عنه قدرته الفائقة في حفظ أسماء الشياخات في جميع أنحاء الجمهورية وتمتعه بعلاقات قوية ونافذة مع كبار العائلات في الريف والصعيد.. مما مكنه (اضافة الي عوامل أخري) من تحقيق أغلبية مريحة دائمة لحزبه.. ولم يستعن الشاذلي في إدارة غرفة عمليات الحزب أثناء الانتخابات سوي باثنين فقط من المساعدين.. وعندما تم خلع الشاذلي من إدارة الانتخابات البرلمانية السابقة واسنادها الي أمين التنظيم والرجل القوي في الحرس الجديد أحمد عز.. فإنه قد أدار غرفة العمليات الانتخابية الأخيرة بألف فتي وفتاة وألف جهاز كمبيوتر وألف تليفون محمول ظنا منه أنه يدير انتخابات احدي الولايات الأمريكية.. دون أن يعرف طبيعة الأرض التي يقف عليها وخصوصية العملية الانتخابية في دولة مثل مصر.. تلك الطبيعة التي عركها كمال الشاذلي علي مدار 46 عاما وأساسها لم يكن اللاب توب أوالمحمول بل ملمحها الرئيسي هو الانتماء العصبي والقبلي ثم الخدمي لضمان نجاح المرشحين.. لذا جاء فشل الحرس الجديد في الانتخابات السابقة مروعا.
 
كان يوم اعلان النتيجة النهائية لانتخابات مجلس الشعب الماضية عصيبا علي فريق الحرس الجديد بعد هزيمة الحزب وفشله في تحقيق الأغلبية المريحة داخل المجلس.. وبلغ الفزع وقتها مداه من احتمالية كسر الإخوان حاجز الثلث في مقاعد البرلمان.. كما كانت قيادة الحزب في هذا اليوم عنيفة في لومها للحرس الجديد وأمرته بالانزواء جانبا.. وجري استدعاء خبراء الحرس القديم في إدارة العملية الانتخابية وعلي رأسهم كمال الشاذلي الذي نجح في ضم عدد كبير من النواب الناجحين تحت لافتة مستقل الي الحزب الوطني بعد انشقاقهم عنه قبل الانتخابات.
 
كان الفشل السابق هو جرس الإنذار الذي ضرب آذان فريق الحرس الجديد وتعلموا منه درسا سياسيا قاسيا يصعب نسيانه.. لذا جاءت استعداداتهم للانتخابات البرلمانية التي سوف تجري الأحد المقبل مبكرا جدا.. وربما بعد انتهاء الانتخابات السابقة مباشرة بعد أن درسوا أسباب الفشل.. كان أمام الحرس الجديدة عدة محاور كان لابد من تأمينها عبر الاحتواء أو التحييد أو الاقصاء.. وجاءت تلك المحاور علي النحو التالي:
 
1- الاعلام بقطاعيه الصحفي والفضائي: كان الاعلام الحكومي من صحف وفضائيات العنصر الأسهل في ذلك المحور.. بعد أن جري اسناد رئاسة تلك المؤسسات الي أشخاص محسوبين علي الحرس الجديد.. وفيما يتعلق بالاعلام الخاص فقد كان في ذاكرة الحرس الجديد الدور الذي لعبه الاعلام الخاص في الانتخابات التشريعية السابقة عبر نشر واذاعة عمليات التزوير.. وكان أشهرها شهادة القاضية نهي الزيني حول التزوير الذي جري في دائرة مصطفي الفقي.. تلك الشهاد التي أزعجت النظام بعد أن نشرتها احدي الصحف الخاصة.. مما دفع أحد كبار رجال الأعمال وعضو أمانة السياسات الي تقديم عرض قيمته خمسة ملايين جنيه لشراء حصة حاكمة في تلك الصحيفة.
 
حاول الحرس الجديد في التعامل مع الإعلام الخاص إما بالاحتواء مع الصحف الخاصة التي لديها قابلية لذلك.. ومثلما كانت هناك صحف قابلة للاحتواء فقد كانت هناك صحف خاصة أخري لا يمكن تحييدها أو احتواؤها.. لذا كان لابد من تغييبها واقصائها مثلما جري مع صحيفة الدستور.. وكانت هناك صحف أخري تمتعت باستقلالية فيما ينشره بعض كتابها لكن بات وجودهم في المشهد الصحفي الحالي مزعجا للحرس الجديد فتم الضغط علي إدارة تلك الصحف لايقاف هؤلاء عن الكتابة (علاء الأسواني وحمدي قنديل) علي أن يعودوا بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية وتم إبلاغهم بذلك.
 
وفي ساحة القنوات الفضائية وبعض برامج التوك شو المثيرة للصداع في رأس الحرس الجديد فقد تم التعامل مع كل برنامج علي حدة.. فتم ايقاف برنامج القاهرة اليوم والحجة عدم سداد ادارة قناة أوربت مصروفات ايجار الاستديوهات الخاصة بالقناة.. والتي عندما بادرت بالسداد فإنه قد بلغها الرفض في تجديد التصريح.. ثم جري اقصاء ابراهيم عيسي من قناة (او تو في) عبر رسالة نصية وصلته علي محموله الشخصي منعا لإحراج قيادات القناة.. وبقيت بعض البرامج الليلة المستأنسة التي تبث ارسالها من قنوات يملكها رجال أعمال محسوبون علي الحزب الوطني أو أعضاء به.. لكن برنامج العاشرة مساء ظل حالة استثنائية كان لابد من تعامل الحزب الوطني معها سريعا.. وقد جري ذلك عبر اتصال جري بين رئيس لجنة مراقبة الأداء الإعلامي مع صاحب قنوات دريم.. والذي عقد اجتماعا موسعا لجميع مقدمي البرامج بقنواته مطالبا إياهم بألا يفسدوا عليه علاقاته ومصالحه مع الحزب والحكومة.. ويمكن الحديث هنا عن أن برنامج العاشرة مساء بعد عودته سيتابع الانتخابات بطريقة حيادية مقارنة بما فعله في عام 2005.
 
بتلك الوسائل والأساليب فقد ضمن الحزب الوطني تماما نجاح خطته في السيطرة علي ميدان الإعلام يوم الأحد المقبل وتأكده من عدم وقوع ما سوف يعكر صفو هذا اليوم الوطني (الديمقراطي) مقارنة بما جري في الانتخابات السابقة.
 
2- مرشحو الحزب الوطني: شكل المرشحون المنشقون عن الحزب الوطني في انتخابات 2005 ضربة قاصمة للحزب بعد نجاحهم في تلك الانتخابات علي حساب مرشحي الحزب.. كما أنهم دعموا مرشحي الأحزاب المنافسة.. وعندما طالبهم الحزب الوطني بالعودة الي عضويته بعد نجاحهم.. فإنهم قد حصلوا علي بعض المميزات الحزبية.. لذا فقد تفتق ذهن الحرس الجديد عن وسيلة تحول دون تكرار هذا الخطأ.. وقد تحقق ذلك بطريقتين.. الأولي وتمثلت في فكرة التوكيلات التي يقدمها مرشحو الوطني لأمين التنظيم والتي يقدمها بدوره نيابة عنهم لمديريات الأمن قبل اغلاق باب الترشيح بدقائق معدودة مما يحول دون خوض المنشقين والمستبعدين الانتخابات.. والطريقة الثانية تمثلت في اختراع فكرة الدوائر المفتوحة والتي رشح فيها الحزب الوطني أكثر من مرشح لخوض الانتخابات حتي يفوت الفرصة علي المنشقين.. مما يؤكد مدي الثقة المفقودة بين قيادات الحزب الوطني وأعضائه.
 
3- الإخوان: جاءت تصريحات قادة الحزب الوطني خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة لتؤكد أن حصول الاخوان علي 88 مقعدا في الانتخابات السابقة هو حدث استثنائي لن يتكرر.. وقد شكل فوز الإخوان بالمقاعد السابقة احراجا للحرس الجديد أمام قادتهم ولم يجدوا لذلك تبريرا.. لذا كانت العدة جاهزة في الانتخابات الحالية بعد أن تم التضييق الأمني علي الجماعة واعتقال بعض قادتهم ومنع مرشحيهم من التقدم لمديريات الأمن حتي بات عددهم قليلا مقارنة بالانتخابات السابقة.. (أربعة من نواب الاخوان بالمجلس الفائت عن الاسكندرية تم رفض أوراقهم بحجة عدم انطباق الصفة عليهم.. فبأي صفة نجحوا في الانتخابات السابقة؟).
 
4- القضاة: شكل القضاة عنصرا ضاغطا أحرج النظام أمام الرأي العام العالمي والمحلي عبر تصريحاتهم ومؤتمراتهم التي أذاعوا فيها كل ما وقعت عليه أياديهم من تزوير.. ونتج عن هذا الزخم القضائي بروز تيار الاستقلال داخل القضاة.. لكن الحرس الجديد نجح في الغاء الاشراف القضائي علي الانتخابات في التعديلات الدستورية الأخيرة.. كما أن الحكومة نجحت في استعادة نادي القضاة من بين يدي تيار الاستقلال وتكرر ذلك بالإسكندرية.. كما تفرق رموز تيار الاستقلال فمنهم من هاجر ومنهم من استقال.. وسوف يختفي مشهد القضاة من الانتخابات المقبلة.
 
الأحد المقبل سوف نري مسرحا انتخابيا تمت السيطرة الكاملة عليه حتي يثبت الحرس الجديد (الذي أصبح قديما بفعل الزمن) أنه لا يقل حنكة عن الحرس القديم بل إنه سينجح في اكتساح الانتخابات المقبلة.. حتي أن بعضهم يتندر داخل الحزب الوطني بأن لديهم الأسماء الكاملة لأعضاء مجلس الشعب المقبل (508 نواب).. ويؤكد بعضهم حصول الحزب الوطني علي أربعمائة مقعد حداً أدني والنسبة المتبقية من المقاعد سوف تذهب الي بقية الأحزاب.. وحددوا عدد مقاعد كل حزب.. وتري مصادر قريبة منهم علي سبيل المثال -والتحدي أيضا- أنه من المتوقع حصول حزب الوفد علي 17 مقعدا والتجمع 23 مقعدا، كما أن الحد الأقصي الذي سيحصل عليه الاخوان لن يزيد علي مقعدين.
 
عندما تنتهي من قراءة السطور السابقة فانك سوف تتساءل: وفيم رفض حكومتنا للاشراف الأجنبي علي الانتخابات اذا كان المسرح قد تم تشكيله بهذه الطريقة المحكمة؟ ثم ستنتقل الي سؤال عبثي -بسبب عبثية مايجري- وفيم الانتخابات أصلا؟ ولماذا لايكون كل أعضاء المجلس بالتعيين حتي يريحوا ويستريحوا؟.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »