رجائى عطية

الگثرة والقلة ونواميس الحياة

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

الكثرة والقلة حكم من أحكام الآدميين علي أنفسهم ومحيطهم باعتبارهم أحياء لهم نوع من الوعي الفردي يمتازون به علي سواهم من الحيوانات والنبات.. أما الطبيعة فلا تبالي بالكثرة والقلة لأنها لا تقر انطباق الزمان أو المكان علي نفسها ولا علي ما تصنعه ثم تتلفه.. ولا تبالي بأي زمان أو مكان في تحقيق ما تريد تحقيقه من الوجود  القابل للفناء إن صح أن نسند إليها إرادة كإرادتنا مقيدة بشروط منها ملاءمة الزمان والمكان كما نعرفهما. وكلمة »تلائم« كلمة مريحة لنا – لكنها لا تحدد إمكانات معينة للطبيعة كما تحدد إمكاناتنا وإمكانات سوانا من الأحياء أو الجمادات الموجودة في الكون القابل لمعرفتنا.

فعبارة الكثرة والقلة تعبر عن قدرتنا علي وعي عمل الطبيعة وعن استنتاجنا نحن ـ لشروط تحققه – للاستفادة منه نوع الفائدة التي نرجوها أثناء بقائنا أو بقاء من يخلفنا.. بصرف النظر عن كون هذه الفائدة نافعة أو ضارة لنا أو لمن بعدنا ـ حقيقة وفعلا.. ولعل أول ما يلفت وعي الآدمي من ساعة مولده قلة راحة ثم قلة غذائه فيصيح.. ومن هذه الصيحة الأولي تبدأ نشأة قاموسه للقلة والكثرة والتعب والراحة والغضب والرضا والضعف والقوة والجهل والمعرفة والعجز والمهارة والغباء والذكاء والفشل والنجاح.. وهو قاموس أساسه الأول والأخير لدي الآدمي – قيام حاجته به وإشباعها وشعوره بهاتين الظاهرتين المتلاصقتين في الوعي المنفصلتين في الواقع.

وكل شيء في الكون بالنسبة للآدمي من أدني وأصغر ما يعرف إلي أكبر وأقصي ما يتصوره، يخضع لحكم الكثرة والقلة ويمكن حسابه بالأرقام أيا كانت هذه الأرقام.. إذ هي أشياء نتصور تحركها في الكون في زمان يقصر أو يطول و في مكان يضيق أو يتسع- يمكن أن يحصيها وعينا ولو علي سبيل الإفتراض، بنوع أو آخر من الأرقام التي قد تصدق من جهة توقعاتنا لنتائجها – لكنها ليست أكثر من تصورات بشرية صرف!!

وقد إلتزم الآدميون أرقامهم وحساباتهم التي تصدق أخذا بنتائجها لدي وعيهم وحواسهم.. لأنهم رأوا أن ذلك يكفيهم الآن في معرفة مايعرفون عن الكون.. ولم يزعموا ولن يزعموا أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتفسير تلك النتائج، ولم ينفوا ولن ينفوا إمكان وجود طرق أخري تحقق ذات النتائج، أو تحقق نتائج أفضل وأكثر دقة وصحة.. إذ معرفة الآدميين بكل فروع وشعب هذه المعرفة وما حوته من أبحاث ودراسات ومؤلفات حديثه أو قديمه ـ هي معرفة من جانبنا لظواهر الطبيعة فينا أو في الكون كما نعيش فيه.. وليست بتاتا معرفة لحقيقة وسر عملها.. وهو سر ربما ظل دائما خفيا علي جميع العاكفين الذين يتبارون في دراسة الظواهر واستقراء ما تنطوي عليه وينجحون أحيانا في تحقيق نتائج قد تدهش جيلهم وقد يتخلي عنها جيل آخر يصل إلي نتائج أخري يراها أصوب وأقرب إلي الصحة والدقة.

ثم إن الكثرة والقلة مرتبطة إرتباطا وثيقا في نظام الكون في جميع الموجودات، وبنظام الحياة في جميع الأحياء.. أي بالتكاثر والتوالد وموت الأفراد وإنتهاء الأجيال في النبات والحيوان والآدميين.. هذان النظامان يستلزمان الإحلال والتجدد اللذين لا ينقطعان مع الإفناء والموت اللذين لا ينقطعان كذلك. وهذا استلزم وجود الكثرة والكثرة استلزمت وجود القلة عندما يزيد الإفناء والموت علي التكاثر والتوالد  وعلي الطاقة اللازمة لبقاء الموجود موجودا، فتقوم القلة باستكثار الكثرة عندما تتهيأ لها ظروف ذلك.. وهذا معناه أن وجود الكثير المتعدد أسبق في الأشياء القابلة للفناء أو الموت من وجود القلة.. فلم يوجد فرد واحد كأصل نشأ عنه وجود الأفراد المتعددين الذين أدي توالي تعددهم إلي كثرة النوع أو كثرة الجنس أو كثرة العناصر أو كثرة النويات أو كثرة الكواكب أو كثرة السدوم. فكثرة موجودات الكون قديمة كأصل متعدد قديم قدم الكون نفسه.. وذلك فيما يبدو للآدمي الذي يطيل التأمل في أصناف وأصول الأشياء والأحياء.. فهو يميل إلي أنها كثرة تسلسلت من كثرة ليست بالضرورة مطابقة  وليست آحادا، ولم تكن آحادا قط  في أي زمن.. وكون الغالبية في الأحياء قابلة للتكاثر والتوالد ـ والعقم بينها نادر – قرينة قوية قد تؤيد هذا النظر وتشهد بأن الكثرة مطلوبة دائما منذ أن خلق كل مخلوق، وأن كل مخلوق يحمل هذه القدرة علي التكاثر مادام حيا مستعدا له بحكم كونه فانيا راحلا زائلا لا محالة، وليس بحكم كونه باقيا خالدا في أصله وخلقته الأولي.

وقيام الكون القابل للفناء علي الكثرة قد استلزم تشابه الأفراد واختلافهم في نفس الوقت، كما استلزم تلاقي المختلفين وتباعد المتشابهين  وإسهام هذا التشابه والاختلاف والتلاقي والتباعد في إدارة عجلة الكون بأسره الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء.

فلا يستغني الكون عن نظمه وكثرته التي لا نعرف لها حداً، ويستحيل علي الآدميين اختزال هذا الكون إلي الحدود التي تقبلها أفكارهم أو يسمح بها خيالهم.. إذ لا يخسر الكون شيئا كثيرا أو قليلا – إذا باد الجنس البشري نتيجة نزقه وجهله!.. فقد عاش الكون ملايين السنين بدون هذا الجنس، ولكن الذي يخسر حتما هم البشر الذين أتيحت لهم فرص واسعة جميلة للمعرفة والفهم القابلين للزيادة للتعرف علي نواميس ونظم وظواهر الكون العظيم، وللمشاركة العاقلة المعقولة في مسيرته والانتفاع بذلك في أن يساندهم الكون في تحقيق المزيد من هذه المعرفة وهذا الفهم، ومواصلتهما بمزيد من النجاح والدقة – بعيدا عن التعرض لمقاومة الطبيعة التي لا ترحم الجهلاء والمغرورين!

وربما يجب أن نعترف اعترافا كاملا  حقيقيا بالكثرة التي نحن غرقي فيها تماما سواء بجزئيتنا منها وبجنسنا وأصلنا وفرعنا وماضينا وقابلنا إلي أقصي حدودهما بالغة ما بلغت هذه الحدود، وأن نرضي تماما بمعايشتها لا بأفعالنا فقط، بل بأرواحنا وعقولنا وعواطفنا وخيالنا وآمالنا، وبالكف عن تصور أن لنا مآل مغاير أو بعيد عن مآل هذا الكون الهائل الذي لم تقنعنا عظمته حتي الآن، وعظمة أبعاده ونواميسه وتراكيبه وأعاجيبه، بضرورة توقيره الذي هو توقير لما معنا من عقل وبصيرة وحكمة وفطنة. ويجب أن لا ننساق في عكس ذلك الاتجاه – إلي استخلاص الكلي والعام والمطلق والمجرد.- لأن ذلك ليس وسيلة لتمكين الوعي البشري من ان يتعامل كل فرد مع الكثرة الكاثرة التي تملأ ما يفسحه الكون أو العالم أو الطبيعة.. ليس في وسع الفرد أيا كان عقله، ولا في وسع الجماعات أيا كانت قوتها وآلياتها ووسائلها، الخروج علي نواميس الكون، أو التحكم في مساره.. أقصي ما يمكن للبشر أن يتأملوا في احترام – عظمة وأبعاد ونواميس الكون، وأن يتوافقوا ببصيرة وفطنة وحكمة مع قوانينه الغير قابلة للتغيير، وأن يتخذوا من الوعي به سبيلا لحياةٍ أكثر فهماً ونضجاً وإسهاماً وعطاءً.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »