اليمن‮… ‬وطأة الجغرافيا علي السياسة والاقتصاد

شارك الخبر مع أصدقائك

د.عمار على حسن

قديما قالوا: لا بد من صنعا وإن طال السفر، وحديثا يمكننا أن نقول بملء الفم: أغلب الطرق تؤدي إلي اليمن السعيد. فهذه الدولة ذات الحضارة العريقة، والتي كانت من المراكز المضيئة في عالم قديم لم تنقض آثاره، ذات موقع استراتيجي غاية في الأهمية، ليس لأنها تشرف علي مضيق باب المندب، الذي تعبره السفن التجارية والحربية الرائحة الغادية بين الغرب والشرق فحسب، بل لأنها أقرب نقطة لآسيا عند خاصرة أفريقيا، والدولة التي لا تزال، رغم حضورها الكبير، قادرة علي أن تتجاوز أو تتغلب علي ما تفعله الجغرافيا في السلطة، ومن ثم تصبح الجبال اليمنية، شأنها شأن الجبال الأفغانية، نقطة انجذاب لكل الجماعات والتنظيمات الراديكالية التي تناصب الغرب العداء، وتستهدف أنظمة عربية وإسلامية.
 
وكل هذه الظروف الجغرافية والاجتماعية تفرض علي من يعتلي السلطة في اليمن أن يبذل جهدا فائقا في سبيل بناء علاقات إقليمية ودولية معتدلة، وأن يزن روابطه ومواقفه بميزان دقيق، وأن يراعي المقادير النسبية التي يشكلها الداخل والخارج معا في صنع أي قرار يتخذه. وبالطبع فإن مثل المعادلة تنطبق علي دول عديدة، لكنها تبرز في الحالة اليمنية إلي حد لا يخفي علي أي متابع، أو مراقب لأداء السلطة اليمنية علي مدار العقود الثلاثة الماضية. وهذا الوضع يجعل الشأن الداخلي اليمني دوما علي محك تأثير الخارج، ومن ثم تبقي قضايا من قبيل »وحدة الدولة« و»التركيب القبلي« عرضة للتأثر بما يدور في المحيط الإقليمي لليمن، الذي لم تقو لديه الدولة المركزية بعد إلي حد يمنع هذا التأثر أو يرده إلي أدني حد.
 
وإذا استعرضنا علاقات اليمن دوليا وإقليميا، سنجد الجغرافيا ومعها الظروف الاقتصادية حاضرتين أكثر من غيرهما. فالموقع الإستراتيجي المهم لليمن هو دافع رئيسي للاهتمام الذي تبديه العديد من الدول الغربية بصنعاء، والذي يمتد من المصالح الاقتصادية والتعاون العسكري إلي التفاهم حول قضايا سياسية وحسابات أمنية وجيواستراتيجية مهمة. وجاءت قضية »مكافحة الإرهاب« لتجعل اليمن مقصدا قويا للولايات المتحدة التي تعتقد أن الجبال اليمنية قد تكون ملاذا بديلا لأفغانستان بالنسبة لعناصر تنظيم القاعدة. وبعد إرسال واشنطن ضباطاً لتدريب القوات اليمنية علي تعقب »الإرهابيين«، نظم الأمريكيون مناورات عسكرية مشتركة بين قوات يمنية وأمريكية وبريطانية جرت جنوب شرق اليمن.
 
وعقب حدث 11 سبتمبر الرهيب وجد اليمن نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الدخول في مواجهة، وخيمة العواقب، مع الولايات المتحدة، أو القبول بالتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، خاصة أن هناك تعاونا أمنيا قائما بالفعل بين الجانبين علي خلفية حادثة المدمرة الأمريكية كول. وانحاز اليمن إلي الخيار الثاني بقبوله عسكريين أمريكيين علي أرضه يقتصر دورهم علي التدريب والاستشارة في مجال مكافحة »الإرهاب«، وذلك علي غرار التعاون القائم حاليا بين الولايات المتحدة وكل من الفلبين وجورجيا. واليوم يجد اليمن نفسه أمام مشكلة جديدة وهي التصدي للقرصنة في خليج عدن، وليس أمامه بد من التعاون مع القوي الكبري في هذا الصدد.
 
 وبدورها لم تهمل الدولة المناوئة للولايات في الشرق الأوسط أهمية اليمن، فسعت مع مطلع الألفية الثالثة إلي بناء علاقات متنامية معه، أنهت بها سنوات من »الجفاء الشديد« حل بالعلاقات الثنائية، عقب قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حيث تعامل اليمن بقلق وحذر شديدين إزاء شعار »تصدير الثورة« الذي رفعته طهران حينذاك، نظرا لتنامي نفوذ »التيار الإسلامي« في اليمن خلال الربع الأخير من القرن العشرين، والذي اعتبر أن الثورة الإيرانية مثالا يحتذي. وظلت العلاقات اليمنية ـ الإيرانية تراوح عند نقطة الجفاء والشك المتبادلين، خاصة في ضوء حرص صنعاء علي تطوير علاقاتها مع واشنطن، حتي جاءت زيارة رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ عبد الله الأحمر للعاصمة الإيرانية في عام 1998 تلبية لدعوة نظيره الإيراني ناطق نوري، لتكسر حاجز تردد البلدين في اتخاذ خطوة أكثر جرأة نحو التقارب السياسي. وردت إيران خلال العام نفسه بزيارة نائب وزير خارجيتها سيد محمد صدر لصنعاء. ثم توالت الزيارات الرسمية المتبادلة، لتضيف رصيدا جديدا إلي المحاولات اليمنية ـ الإيرانية لتطوير علاقاتهما.
 
 وهذه الدفعة القوية للعلاقات بين البلدين، والتي أوجدتها الزيارات الرسمية المتبادلة، لم تكن هي نقطة البداية في أن يأخذ اليمن وإيران طريقهما تجاه التعاون المشترك، إذ سبقتها »إرهاصات« عديدة تمثلت في قيام الجانبين بغض الطرف عن الخلافات التي كانت قائمة بينهما طيلة السنوات التي استغرقتها الحرب العراقية ـ الإيرانية، إذ كان اليمن يقف إلي جانب العراق شأنه في ذلك شأن البلدان العربية الأخري، كما شارك اليمن بصفة مراقب في مناورات بحرية إيرانية ـ سودانية وإريترية جرت في مياه البحر الأحمر مطلع عام 1992، علاوة علي تبادل الرسائل بين الرؤساء الإيرانيين المتعاقبين والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وقيام زيارات برلمانية متبادلة علي نطاق محدود. وعلاوة علي الموقع الاستراتيجي لليمن الذي يهم طهران التي تمر تجارتها النفطية مع أوروبا الغربية بمضيق باب المندب، تأتي التوجهات السياسية الأخيرة لإيران حيال العالم العربي لتصبح عاملا مؤثرا في سعي طهران لبناء علاقات متطورة نسبيا مع اليمن، جار السعودية وصاحب العلاقات الدبلوماسية المتميزة مع دول مجلس التعاون، والنفوذ النسبي في القرن الأفريقي، والعلاقات المتنامية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تخشي طهران من أن تكون نقطة جذب تؤدي إلي اصطفاف اليمن إلي جانب واشنطن في صراعها ضد إيران. ولهذا راعت إيران عدم تقديم أي دعم سافر ومباشر إلي الشيعة المتمردين من»الحوثيين« في قتالهم ضد الجيش اليمني، وخروجهم علي الدولة.
 
أما علاقة اليمن بدول المجلس التعاون الخليجي، فأخذت طريقها إلي التصاعد، عقب تسوية صنعاء مشكلاتها الحدودية مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان. لكن هذه العلاقة تنحو إلي الاقتصاد أكثر من ميلها إلي السياسة، فمجلس التعاون يتخذ موقعا ذا أهمية ملموسة من الخطط الاقتصادية اليمنية، وذلك من خلال أربعة مسارات أساسية، الأول يرتبط بتصدير العمالة اليمنية إلي دول المجلس، وهو ما ظهر بجلاء خلال اجتماعات مجلس التنسيق السعودي ـ اليمني مؤخرا، خاصة أن السعودية هي المستقبل الأول للعمالة اليمنية بين دول مجلس التعاون، حيث حصل اليمن علي تعهدات بتسهيل الطريق أمام العمالة اليمنية لدخول سوق العمل بالمملكة. والمسار الثاني يرتبط بفتح الأسواق الخليجية أمام المنتجات الزراعية اليمنية، خاصة الفواكه والخضراوات. ويعتبر اليمن، الذي تبلغ مساحة الأرض الخصبة لديه %3 فقط من حجم مساحته الكلية في حين تصل مساحة الأرض المروية 3600 كيلومتر مربع تقريبا، نفسه في ميزة نسبية حيال دول المجلس من ناحية الزراعة، ولذا يعتبر أن منتجاته الزراعية قابلة للتصدير إلي دول المجلس.
 
 وثالث هذه المسارات يتعلق برغبة اليمن في تلقي قروض مالية من قبل دول مجلس التعاون. والمسار الرابع يتمثل في استفادة اليمن من المواقف التي تتخذها دول مجلس التعاون، في إطار أوبك، حيال التعامل مع سوق النفط الدولية. فصنعاء تعول كثيرا علي إنتاجها المتنامي من النفط والغاز الطبيعي في تحسين ظروفها الاقتصادية، ولذا فإن أي خطوة تؤدي إلي ارتفاع أسعار النفط، ستصب في مصلحة اليمن، ونظرا لأن دول مجلس التعاون تتمتع بمكانة مرموقة، من حيث الإنتاج والاحتياطي، في سوق النفط الدولية فإن اليمن يعقد عليها آمالا عريضة في زيادة عائداته من تصدير إنتاجه من النفط الخام، كما يعول اليمن علي مسألة تصدير منتجاته الزراعية إلي دول مجلس التعاون في أن تكون من شركائه التجاريين الأساسيين.
 
ولعل الصراع الذي نشب بين إريتريا واليمن علي جزر حنيش يقدم نموذجا ناصعا يلخص قدر الدولة اليمنية في تأليف ما لا يأتلف، والسير بمهارة علي حبال متهالكة، بغية التقليل من حمولة الجغرافيا علي السياسة. فرغم أحقية اليمن في هذه الجزر لم يستدرج إلي حرب ضد إريتريا، التي كانت وقت تأجج الصراع مخلب قط لإسرائيل، وكان اليمن لا يزال حديث عهد بوحدة حسمها وخلقها بالقوة الدامية، ويخشي عليها من الانهيار، وفي الوقت نفسه كان اليمن، ولا يزال، يدرك أن القوي الدولية الكبري لن تسمح بنشوب قتال مسلح في مضيق باب المندب أو عند مدخله ومخرجه. لكل هذه الأسباب انخرطت صنعاء سريعا في البحث عن حل سلمي للمشكلة، وهو طريق ستسلكه دوما، طالما ظلت الدولة تئن تحت الوطأة الثقيلة للجغرافيا.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »