الوعي الفرنسي والريموت كونترول

شارك الخبر مع أصدقائك

أيمن عبدالحفيظ
 
كنت أتنقل بجهاز الريموت كونترول بين القنوات الفضائية التي ازدادت أعدادها بشكل كبير جداً في الفترة الأخيرة، في محاولة للاستقرار علي المحطة التي سأقضي أمامها نحو نصف ساعة علي الأكثر قبل أن أخلد إلي النوم، فتوقفت يداي عن النغز أمام مشاهد الإضراب الذي شمل جميع المرافق الحيوية بفرنسا ودخل في أسبوعه الثالث، بسبب إصرار حكومة ساركوزي علي تمرير قانون إصلاح نظام المعاشات بزيادة السن القانونية للتقاعد من 60 إلي 62 سنة وسن المعاش الكامل من 65 إلي 67 عاماً.
 
آثار الاضراب ليست بالجديدة، بعد أن مر عليه نحو 17 يوماً، وإن تزايدت حدتها مع تراكم أطنان القمامة وشلل الحياة في المدن الفرنسية وكسر الحلف الاجتماعي بين النقابات والحكومة الذي يقوم علي تأمين الحد الأدني من الخدمة، بعد أن دخل سائقو الشاحنات علي خط الاضراب ومعهم عمال الشحن والتفريغ، الذي شل حركة سيارات النقل التي تخدم الأسواق، ومحاصرة مصافي البترول ومستودعات الوقود، وأخيراً وليس آخراً انضمام طلاب المدارس من صغار السن إلي الإضراب، بالتنسيق مع الاتحادات الطلابية، وهو ما كان نقلة جديدة في أسلوب الإضراب بتحوله إلي العنف بدخول المراهقين الذين يصعب توقع سلوكياتهم، واشتعال الموقف بعد الاشتباك مع قوات الأمن وقذفهم بالحجارة واشعال النيران في عدد من المدارس، وتوقف الحركة التعليمية في نحو ألف مدرسة، فضلا عن التخريب والتدمير الذي تسببوا فيه في عديد من المواقع الحيوية.
 
ما لفت انتباهي أكثر من أعمال العنف والمواجهات بين القوات الأمنية الفرنسية والشباب الذي انضم إلي مظاهرات العمال والعجائز، هو الوعي الذي يتميز به العمال الفرنسيون، حيث التقي مراسل القناة الفضائية مع عدد من العمال البسطاء في قلب شوارع باريس، ما بين عمال نظافة وسائقين، إلا أن ايمانهم بقضيتهم وإلمامهم بتفاصيلها وأسبابها ودوافع حكومة اليمين الفرنسي الذي أظهر تشدداً كبيراً، شدتني إلي استكمال المشهد من عدد من القنوات الإخبارية الأخري، للتمتع بالأسلوب الذي يتحدث به العمال الفرنسيون البسطاء، ومدي قوة التنسيق بين ملايين من العمال والموظفين والإصرار علي كلمة واحدة وموقف موحد، قلما نشاهده في مصر، رغم تمرير الحكومات المتعاقبة العديد من القوانين التي تزيد وطأتها وآثارها السلبية من قانون التقاعد الفرنسي الجديد، الذي تمت الموافقة عليه في غمضة عين في مصر.
 
أحد عمال النظافة الفرنسيين قال لمراسل إحدي القنوات الاخبارية، رداً علي سؤال حول مدي القدرة علي الاستمرار في هذا الاضراب: سنستمر في إضرابنا، ولن نسمح لهم -أي حكومة ساركوزي- بأن يقتطعوا من أموالنا المبالغ الضخمة التي أنفقوها علي البنوك والشركات المتعثرة إثر الأزمة المالية، وتسببت في عجز الميزانية، بينما أصر آخر -لا يقل عنه بساطة- علي الذهاب إلي أبعد من ذلك للمطالبة بالعدول عن تعديل قانون المعاشات، وقال وعيناه تلمعان من جذوة الإصرار والتنسيق الكامل بين الملايين بما يجعلهم في موقف قوة: لدينا خطوات جديدة ومفاجئة يمكننا القيام بها حتي تستجيب الحكومة وتسحب مشروع القانون.
 
يا الله علي جمال التحرك المنظم والجماعي والإيمان بالقضية الذي نعاني من غيابه في مجتمعنا الذي يتم تسييره بجهاز أشبه بالريموت كونترول شئنا أم أبينا.
 

شارك الخبر مع أصدقائك