شريف عطية

الوسطية الجيوسياسية لمصر

شارك الخبر مع أصدقائك

من المسلّم به أهمية الاعتبارات الجغرافية فى تشكيل أدوار النظم السياسية لأقاليم العالم، وعلى صعيد كل دولة، كذلك بالنسبة لتحركاتها الخارجية وأوضاعها الداخلية، وهو ما ينطبق بالضرورة داخل النظام فى الشرق الأدنى والأوسط، فيما تسمى «المسألة الشرقية».. التى يعود انعكاس تأثيرات الجغرافيا السياسية عليها- بأقله- منذ أواخر القرن 18، وعلى مدار القرن التاسع عشر حتى العام 1914 (..)، ذلك قبل تسارعها بالفترة فيما بين الحربين العالميتين، وخلال الحرب الباردة.. وحتى هيمنة الأحادية الأميركية مطلع التسعينيات، وصولاً إلى العام 2011، حيث لم تكن أحداث ما أطلق عليه «الربيع العربى»- وضعاً استثنائياً- بقدر ما هى تطور متجدد للأزمات الشرقية المتعاقبة منذ استدارة القرنين السابقين مع بدايات القرن 21، حين تداخلت- لا تزال- صراعات الدول الكبرى مع تضارب مختلف النزعات القومية داخل الإقليم، ما يستوجب المتابعة التوثيقية الدقيقة، خاصة لما يُوصف بـ«القضية المركزية العالمية».. التى تتلخص فى ارتباط العلاقة بين كل من مسألتى «اليهودى التائه».. وبالحق الفلسطينى المغتصب قبل نحو سبعة عقود، كذلك من حيث ارتباطهما بالأمن الأوروبى وبأمن البحر المتوسط والشرق الأوسط، كمنطقتين متاخمتين، ومن حيث تداخل التركيب السكانى الأوروبى- ثالثاً- فيما بين الشعبين الإسلامى واليهودى، ذلك فى وقت أصبح فيه لدى الطيف الشعبوى المتصاعد أوروبياً.. ميل لاحتقار معايير البحث العلمى الحقيقى.

إلى ذلك، ورغم التفكك والانشقاقات الراهنة بين القوى الغربية، التى اختصرت- بمفردها- قيادة العالم لنحو قرنين من الزمان، فإن الخلل يتسع فى الحوار بينهم وبين (المحرومين) فى الجنوب، وكذلك بين الجنوبيين بعضهم البعض فى غالب الأحيان، خاصة أن وعى الجنوب (المتأخر) قد لا يكون بإمكانه امتلاك القدرة ، لأسبابه، على إعادة تشكيل المشهد الدولى (المهمش) حالياً، من ناحية، أو إدماج دول الجنوب (الصاعدة) مجدداً فى نظام دولى قديم (يتفكك).. ليس راغباً بالرغم من ذلك فى التخلى عن اميتازاته (التأسيسية)، إذ رغم حلول الوقت- بحسب مفكرين غربيين- لإعطاء الأولوية فى تخصيص مكان لما يسمونه «الدخيل».. من أجل التعامل مع ذلك الآتى من الجنوب، كى يتشارك الرغبة فى دخول نظام لم يكن ينتمى إليه، فإن ذلك قد يمثل تطوراً جديداً فرضه ربما استحداث مجموعة دول العشرين (مثالاً) إلى سائر التكتلات الجيوسياسية الأخرى مثل «بريكس» وما إلى ذلك من اقتصادات ناشئة أو قوى سياسية صاعدة.

ما سبق إيضاحه بإيجاز.. قد يمثل مقدمة للتطرق إلى وضعية مصر الجغرافية السياسية التى بقدر كونها منحة.. بنفس القدر أنها تمثل نقمة، لذات الأسباب، Blessed& cursed، إذ هى مهمة لقوى الهيمنة بينما يمثل سقوطها خطورة على استقرار المنطقة، وعلى هذا الأساس يدور الصراع حولها، ربما من أيام الفُرس500 قبل الميلاد.. إلى القوى الغربية المتتالية عليها (وآخرين)، وكلما حاولت الإفلات فى كل مرة، إذ سرعان ما يعيدونها إلى المربع صفر، من توسعات «محمد علي» إلى نهج «عبدالناصر»، وهى الآن تحاول الإفلات مجدداً، لذلك يتفاقم التآمر ضدها، وإن كان لا يخلو من أوجه تعاون.. حيث من غير المستطاع للنظام الإقليمى الدولى.. تحمل تبعة سقوط مصر، وإلا سادت الفوضى واللا استقرار، ما يشجعها راهناً إلى محاولة مواصلة الإفلات مجدداً، وبأقل الخسائر، ذلك بالسعى إلى تحالفات متنوعة إلى تحديث السلاح إلى البناء والتنمية، مع الاجتهاد لتوحيد قوى الوطن سواء على الصعيد الداخلى أو العربى، وحيث يعزز جهودها (كما ينتقص منها) ذلك التفرد الذى تتميز به وضعيتها الجغرافية السياسية- فى مركز الدائرة من محيطها المنظور، إذ تتوسط بالتقريب اليابسة القارية للستار الإسلامى- العربى.. الممتد ما بين المحيطين الأطلنطى والهندى، كما تحتل الزاوية القائمة لمصر شمال شرق البحر المتوسط (سيناء).. حافة الغرب الآسيوى للقوس العظيم الذى يعلو فوق الدول الممتدة من شمال شرق آسيا مروراً بشبه القارة الهندية إلى غرب الشرق الأوسط، ولتصبح مصر من ثم أقرب إلى كونها البوابة الأفرو آسيوية فى النظام الإقليمى- الدولى، خاصة أنها تمثل من جانب آخر رأس المثلث الذهبى الذى يضم ضلعاه كل من ليبيا والسودان، بحيث تمثل من ثم دور «الوصلة» بين سياسات شرق وغرب البحر المتوسط من جانب، ومع الدول ما بين الساحل والصحراء من جانب ثانٍ (دراسة إنشاء طريق برى يربط بين مصر وتشاد، ويصل ما بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط من جانب ثالث)، وهو ما يمثل – رابعاً- أوتوستراد أفريقياً لخط سكك حديدية يربط بين القاهرة وكيب تاون فى جنوب أفريقيا، يتوازى مع المقترح بإنشاء خط ملاحى منتظم يربط بين دول القارة، ما يحقق التواصل الجغرافى والسياسى.. لخدمة أغراض تنموية ولتسيير حركة التجارة البينية، ذلك دون استثناء إنشاء مصر لعدد من المحاور- غير محور قناة السويس- تربط برياً بين البحرين الأحمر والمتوسط، ومن ثم مع الدول المشاطئة لثانى أهم شريانين ملاحيين عالمياً سواء مع دول شرق أفريقيا أو جزيرة العرب شرقى السويس أو مع الدول الأوروبية على الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

خلاصة القول، إنه بقدر انفتاح حدود مصر البرية والبحرية، وتواصلها مع العديد من الدول والأمم المتاخمة ما بين المحيطين الأطلنطى والهندى، إذ يمكنها التميز بدورها عن الآخرين بالمساهمة بفاعلية فى تشكيل النظام الإقليمى- الدولى الجارى إرهاصات قيامه على قدم وساق، ما بين إجراءات الدبلوماسية ونوازع الحرب، شرط العمل على عدم اختراق حصون مصر الطبيعية الأربعة، الجارى تهديدها، (الصحراء الشرقية- والغربية- إلى وادى حلفا- والبحر المتوسط)، إذ من أجل تعزيز تحركات مصر الخارجية وأوضاعها الداخلية.. فإنها بصدد مواجهة معارك واسعة النطاق، سواء من أجل تطوير مقتضيات التكامل للمثلث الذهبى مع ليبيا والسودان جنوب غربى مصر، إلى مواجهة الأهداف التوسعية للجارات الإقليميات غير العربيات، سواء من جانب تركيا عند الثقب الأسود شمال شرق البحر المتوسط.. وتحركاتها بالقرب من المياه الإقليمية لمصر وقبرص شرق المتوسط من أجل الغاز.. وفى تسييرها قطع بحرية محملة بالسلاح (والمجاهدين)، إلى ليبيا غرب مصر، إلى القفز نحو جزيرة «سواكن» السودانية جنوب مصر، فضلاً عن تمحورها السياسى والإعلامى مع التنظيم الدولى لجماعة الإخوان، ذلك دون استثناء إسرائيل كدولة متوسطية شرق مصر، تدور فى السياق الأوروبى الغربى منذ زرعها فى الإقليم قبل نحو سبعة عقود، إلى إثيوبيا- دولة أعالى نهر النيل- الساعية إلى المساس بالأمن المائى لدولة المصب، ناهينا عن إيران من جانب رابع التى لا ترعوى عن إثارة نوازع التدخل سواء فى اليمن والخليج شرقى السويس أو الامتداد غرباً عبر العراق إلى الدول العربية شرق المتوسط، فضلاً عن محاولتها تصدير نهج الثورة الإسلامية إلى روابط الجوار العربية، ما يفرض على مصر فى مركز الدائرة العربية، أن تواجه فضلاً عن أوضاعها الداخلية الصعبة، لأسبابها، خصومات تاريخية من قوى كبرى لا ترعوى من أجل مصالحها عن إشعال عوامل التنافس مع كل من الجارات الإقليميات غير العربيات، خصماً من الرصيد العربى، ومصر فى القلب منه، ما يستوجب مراجعات علمية موثقة ودءوبة لما يجرى من تحركات على الساحة الدولية، والإقليمية، والعربية، وعلاقة ذلك بالوضعية المحلية والجيوسياسية لمصر.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »