الوسائل العملية لتنمية التجارة البينية‮ (‬2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

 يحيي المصري
 
الدول العربية والاسلامية لا ينقصها الفكر الجيد ولا الحكمة السديدة ولكن ينقصها المبادأة بالتنفيذ العملي للأفكار والنظريات التي تتوصل اليها، وقد يرجع ذلك الي الانظمة التي تحكمها والاشخاص الذين يتناوبون حكم شعوبها، والتاريخ الحديث يشهد بأن الاشخاص »الملوك والرؤساء« الذين تداولوا حكم هذه الدول شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، لم يكن اغلبهم علي المستوي الجيد الامين الذي يعرف كيف يدير شعبه بكفاءة ويكون في نفس الوقت أمينا علي مصالحه وعادلا في معاملته لجميع المواطنين دون استثناء.
 
وهو ما يختلف عن الدول الاجنبية في الغرب والشرق والشمال، ففي هذه الدول نشأ التقدم وعاشت شعوبهم في مستويات اعلي من شعوب الدول النامية التي تضم الدول العربية والاسلامية، كما ان الدول التي تقدمت عرفت كيف تحافظ علي تقدمها بالاستعانة بالعلماء من الدول التي لم تتقدم واستثمارهم الاستثمار الجيد، وقامت بتشغيلهم في العمليات الفنية الدقيقة التي ساعدت علي التحديث، وكانوا يساندون علماءهم ويدعمون معهم عمليات التقدم والبحث المستنيرالذي أوصلهم الي مواطن داخل الانسان لم تكن معروفة من قبل.
 
ولكن للاسف امتد استثمار الدول المتقدمة لعلماء الدول النامية الي طرق غير إنسانية لكي يضمنوا استمرار الحصول عليهم- امتد الي الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي، وامتد ايضا الي اساليب معيبة ومشينة وخطيرة، حيث بثوا في الدول النامية الامراض الاجتماعية والاساليب الملتوية التي تؤدي الي تغير النفوس من مطمئنة الي أمارة، وتدعم فيها الانانية وحب الاستحواذ الشخصي والحقد والحسد والبعد عن العمل التعاوني الذي نزلت به الاديان السماوية، وبالتالي انشغلت شعوب الدول النامية والفقيرة بالبحث عن القوت شرعا أو غير شرعي، اي بوسائل متعددة لا تترك للمواطنين فيها فرصة لتأدية أي دور امين مطلوب لصالح المجتمع أو الدولة أو الأمة.
 
من هنا ضاعت كل الافكار السوية التي تؤدي الي التقدم الاقتصادي للدول العربية والاسلامية، بينما سارعت هذه الدول المتقدمة بالاستيلاء علي العلماء الذين يجيدون العلوم والفنون الاصيلة، وقدمت لهم الحوافز التي تستقطبهم بها وتجعلهم يهاجرون إليها ويعملون داخلها، ورصدت لهم كل الامكانيات المادية والمعنوية التي تساعدهم علي مشاركة علمائهم في تنفيذ أفضل الاختراعات التي قادت الي التكنولوجيا وعصر التكنولوجيا، بل فتحت للدول النامية البترولية وسائل جديدة لاستثمار اموالهم المتراكمة في سلع وخدمات كمالية لكي ينفقوا اغلب هذه الاموال علي شرائها بعيدا عن السلع الضرورية المطلوبة وانشاء مشروعات التنمية المستدامة التي كان يمكن ان تقودهم الي التقدم.
 
ومع هجرة العلماء العرب والمسلمين الي الخارج ذهبت معظم الافكار الجيدة والمفيدة في تنمية التجارة البينية والتي هي في الواقع اساس التنمية والتقدم الاقتصادي، ذهبت الي الدول المتقدمة والاجنبية خارج الدول العربية والاسلامية التي نشأت هذه الافكار فيها اصلا، وعلي سبيل المثال أخذت الدول المتقدمة فكرة التنظيمات النقدية الخاصة بتنمية وتشجيع التجارة البينية التي كانت الدول العربية والاسلامية اول من فكرت فيها اوائل الخمسينيات، وقامت الدول الاوروبية بوضع تنظيم اتحاد المدفوعات الاوروبي من واقع الافكار الواردة باتفاقية »تسديد المعاملات الجارية وانتقال رؤوس الاموال بين الدول العربية«
 
ومن فكرة اتحاد المدفوعات الاوروبي ظهرت تنظيمات نقدية اقليمية عديدة في مختلف القارات ؛ في آسياً وافريقيا وأمريكا الجنوبية، وكل هذه التنظيمات النقدية اعتمدت علي فكرة تسوية المدفوعات بالمقاصة المتعددة الاطراف بين الدول الاعضاء، وهي الفكرة التي قامت عليها المبادئ الواردة بالاتفاقية العربية الجماعية التي صيغت في بداية الخمسينيات وعرضت عن طريق جامعة الدول العربية، بينما لم توقع الدول العربية عليها ولم تقم بتنفيذها وحفظتها في الادراج حتي الآن دون ان يعرف احد السبب الحقيقي لهذا الحفظ !!
 
اقول: الدول العربية اول من بدأت محاولات التعاون النقدي الاقليمي، لأن مفكريها وعلماءها وخبراءها في الخمسينيات كانوا يعرفون اهمية هذا التعاون في دفع تنمية المبادلات التجارية البينية، كما كانوا يعرفون اهميته ايضا في خلق ارضية واسعة للتنمية والتقدم الاقتصادي العربي الذي كان الغرب يخشاه متأثرا بما حدث بالتقدم العسكري المصري العربي في عهد محمد علي، حيث تقدمت جيوشه حتي وصلت اليونان لولا مؤامراتهم ضده ووقوفهم يداً واحدة لمنع تقدمه واملائهم الشروط الظالمة عليه لوقف التقدم الي الأبد!!
 
لقد بدأت محاولات التعاون النقدي العربي قبل أي منطقة اخري في العالم، ثم نفذتها كل مناطق العالم ما عدا المنطقة العربية والاسلامية التي نشأت أصلا فيها، وهو ما كان محل استفسار في مؤتمر التنظيمات النقدية الاقليمية في العالم والذي نظمته الامم المتحدة بسيراليون في الثمانينيات، وكنت عضوا فيه، ولكن كنت قاصرا عن ان أرد علي هذا الاستفسار، لانه لم يكن هناك سبب واحد أعرضه عن اسباب عدم تنفيذ تنظيم نقدي اقليمي بين الدول العربية، وهو تنظيم كانت تنمية التجارة العربية البينية تتطلبه بالضرورة، لذلك بقيت حتي الآن التجارة العربية البينية عند حدود %11، بينما وصلت في اوروبا الي %65، وفي آسيا الي %50، وفي امريكا الجنوبية الي %40 وفي بعض مناطق افريقية تزيد حاليا علي %40.
 
إن انشاء تنظيم نقدي اقليمي بين الدول العربية والدول الاسلامية له متطلبات تتوافر كلها داخل هذه الدول، ولا يمكن ان نعلل عدم انشاء هذا التنظيم بقلة هذه المتطلبات أو لضعفها فهي تتوافر وبكثرة في بعض هذه الدول، ويمكن ان ألخص هذه المتطلبات فيما يلي :-
 
– موارد مالية كبيرة، ولا شك انها تتوافر داخل بعض الدول العربية والاسلامية، غير ان جزءاً كبيراً منها يستثمر حاليا بالخارج، بينما يمكن استقطابه جزئيا وتدريجيا، خاصة ان بعض الاستثمارات العربية والاسلامية قد ضربت بالخارج بعد أحداث 11 سبتمبر واصبحت تدرعوائد سلبية، وهو ما يتطلب أيضا تنسيقاً بين الدول الاعضاء للاتفاق علي المشروعات الانتاجية المطلوبة داخل الدول الاسلامية والتي يمكن أن تدر عائداً لا يقل عما تدره هذه الاستثمارات بالخارج.
 
– خبراء عرب ومسلمون يتولون إدارة المشروعات المطلوبة بالطرق الحديثة وحتي يمكن أن تنتج هذه المشروعات السلع التي لا تقل جودة عن السلع الاجنبية او علي الاقل تتساوي في الجودة معها، ويمكن استقطاب خبراء اجانب وعرب مسلمين ممن يعملون بالخارج للعمل فيها، وعلي ان تناسب السلع المنتجة محليا داخل الدول الاعضاء اذواق المستهلكين المحليين في هذه الدول، ويمكن الاستفادة من تجربة الصين التي تنتج حاليا الرموز والادوات الاسلامية التي تحتاجها الدول الاسلامية بكميات ضخمة .
 
– مؤسسة إنتاجية مركزية تضع التخطيط اللازم للسلع المطلوبة لتغطية احتياجات الدول الاعضاء كما تضع التخطيط اللازم لاستقطاب العلماء والخبراء العرب والمسلمين الذين يمكنهم المساهمة في المشروعات المطلوبة سواء من الذين يعملون داخل الدول الاسلامية أو في داخل الدول الاجنبية، مع تقديم الحوافز التي تشجعهم علي ترك أعمالهم الحالية بالخارج والمساهمة في المشروعات المحلية.
 
– مساهمة إيجابية من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وجميع علماء المسلمين الحاصلين علي جوائز مختلفة كجائزة نوبل، وذلك في بناء المؤسسة المركزية وترشيح من يقودها من بين الذين لهم إنجازات انتاجية قوية سابقة أو حتي يكونوا قد تقدموا باقتراحات لتنفيذ هذه الانجازات، وعلي ان تتم الاستفادة من اجهزة الاتصالات الحديثة ومن التكنولوجيا المستحدثة لكي يتم ذلك في أقل وقت ممكن ودون أعباء كبيرة.
 
فمتي تنشئ الدول العربية والاسلامية هذا التنظيم النقدي الكبير القادر علي مضاعفة معدل التجارة البينية، ان عدم انشائه يعني استمرار التخلف العربي، ويعني ايضا استمرار الضربات التي تتلقاها هذه الدول من الخارج والعجزعن صدها أو الرد المناسب عليها.
 

شارك الخبر مع أصدقائك