الوجه الحقيقي لديمقراطية رأس المال

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

»عندما بلغت موقع الاحتجاجات في الساعة السادسة صباحا بالقرب من البنك
المركزي البريطاني، سمحت لي الشرطة بالدخول مباشرة بدراجتي إلي تجمع
المدافعين عن البيئة، كان الجو السائد في موقع الاحتجاج دافئا وإيجابيا،
حيث تجمع تلامذة المدارس والمحتجون في منطقة مليئة بالألوان يستمعون إلي
أنغام الموسيقي. وبعد ساعة واحدة فقط بدأت الشرطة التي سمحت لي بالدخول
بالالتفاف حول موقع الاحتجاج وتشكيل كردون لا يسمح لأحد بالدخول أو الخروج.
ثم بدأ أفرادها الهجوم علي المتظاهرين بعنف وقسوة كانت صادمة بقدر ما كانت
غير ضرورية«.

 
هكذا وصفت »بيث ماك جارث« في جريدة الجارديان البريطانية مشهدا من المجزرة التي شهدتها لندن ضد آلاف المتظاهرين الذين تجمعوا احتجاجا علي سياسة تجويع وإفقار العالم وتشريد العمال وتدمير العالم بالحروب والأزمات وتدمير البيئة بالتلوث من أجل تنمية أرباح الشركات ورجال الأعمال وإنقاذهم من الأزمة التي صنعوها علي حساب الفقراء في قمة العشرين في لندن. تلك المجزرة التي أبدعت فيها شرطة سكتلانديارد باستخدام تكتيك »احتواء المظاهرات« الذي يبدو أنها تعلمته من الشرطة المصرية ويعتمد علي محاصرة المتظاهرين داخل كردون صغير، ومنع الدخول أو الخروج لمدة ساعة أو ساعتين تشن خلالهما هجوما علي المحتجين وبعدها يسمح لهم بالخروج فرادي من ممر ضيق وسط تشكيلات أمنية كبيرة العدد مع تصويرهم أو ردهم مرة أخري داخل الكردون.
 
لم يكن الهجوم بسيطا علي المظاهرات التي جرت يوم الأربعاء، حيث تم اعتقال العشرات من المتظاهرين وسقط أحدهم شهيدا لقمع الشرطة في العاصمة البريطانية التي تباهي العالم بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. تشير ماك جارث إلي أن المتظاهرين قاموا برفع أياديهم والجلوس علي الأرض بعد محاصرتهم من قبل الشرطة ولكنها لاحظت »شابا يترنح فجأة ويهوي تماما علي الأرض بعد أن أصيب بجرح قطعي في الرأس، ثم صبيا آخر تعرض لكسر في الأنف، وفتاة قام أحد رجال الشرطة بركلها بين ساقيها فهوت علي الأرض. وانتشر الفزع بين المتظاهرين الذين انهار بعضهم من البكاء«.
 
استخدمت الشرطة البريطانية العربات المدرعة وقامت بتحطيم دراجات المتظاهرين، بينما كان المشهد بأكمله «يمثل عرضا مفزعا لقسوة رجال الشرطة الذين تجردوا من الإنسانية ولا يحترمون القانون«.
 
وفي ذات الجريدة كتب دونكان كامبل أن أهداف المتظاهرين كانت المشاركة في احتفالية أمام البنك المركزي البريطاني، ودعم الاحتجاجات ضد مجموعة العشرين، والإطاحة بالرأسمالية. وفي تقديره أن الهدف الأول تحقق إلي درجة كبيرة، ولكن الهدف الثاني لم يتحقق كاملا لأن العديد من الجماهير لم يسمح لهم بالمشاركة بسبب الكردونات الأمنية، أما الهدف الثالث »فقد ينتظر، رغم أن الرأسمالية تقوم بهذه المهمة بإتقان _ وهي مهمة تدمير نفسها«.
 
يؤكد هذا المشهد الدموي أن الرأسمالية سوف تلجأ إلي حل أزمتها علي حساب الجماهير، سوف تحافظ علي أرباح الشركات ورجال الأعمال من خلال إلقاء عبء الأزمة علي العمال، الذين يتم تسريحهم وتخفيض أجورهم الحقيقية، من أجل دعم الأرباح، وعلي حساب الفقراء الذين يعانون من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع فرصهم في الحياة الكريمة.
 
عنف الشرطة تجاه المتظاهرين الذين جاءوا ليعلنوا احتجاجا علي تشريدهم من أعمالهم وعلي تدمير البيئة وعلي الحروب العبثية لحماية مصالح المجمع الصناعي العسكري الذي يحكم العالم، يعد دليلا آخر علي أن مبادئ الديمقراطية »الليبرالية« في مجتمع رأسمالي تنطوي علي الكثير من النفاق والخداع السياسي للجماهير، حيث تقف هذه الديمقراطية بكل مؤسساتها وتكشف عن وجهها القمعي والعنيف عندما تهدد إرادة الجماهير مصالح أصحاب رأس المال وشركائهم في السلطة، إنها الديمقراطية التي تسمح بالصراخ ولا تسمح بالفعل، ديمقراطية تقف عند حدود برلمان لا يتجاوز في دوره مجالس الثرثرة الفارغة والمتاجرة بأصوات الناخبين، الذين يسمح لهم كل فترة بالاختيار بين مرشحين، وإن اختلفوا في الأسماء والشعارات، لا يمثلون إلا مصالح الطبقة الحاكمة.
 
هذا لا يعني أننا لا ينبغي أن نطالب بهذه الحقوق _ حقوق الصراخ والتمثيل النيابي والمساواة أمام القانون _ في بلادنا، فهذه الحقوق مكاسب تسمح للجماهير بتنظيم نفسها وبناء قوتها للدفاع عن مصالحها بشكل أفضل من الرضوخ تحت حكم استبدادي مكشوف، كما أنها تعلم الناس من خلال التجربة اكتشاف حدود »الديمقراطية« في المجتمع الرأسمالي بما يسمح بآفاق أوسع لتجاوزه إلي مجتمع أرقي.

شارك الخبر مع أصدقائك