الواقع «القومى » الافتراضى !

شارك الخبر مع أصدقائك

حازم شريف:

تشن الصحف الحكومية «القومية » -ضمن ما تشن – خلال الفترة الماضية، حملة «مقصية » مزدوجة، هدفها الأول ابتزاز بعض رجال الأعمال من أعضاء الحزب الوطنى ووزراء حكومته بدعوة قيامهم من خلال إعلانات وزاراتهم وشركاتهم، بتمويل و «تموين » وسائل الإعلام الخاصة المطبوعة والمرئية التى -ويالخستها – دأبت على مهاجمة الحزب والحكومة .

أما الهدف الثانى للحملة، فيتمثل فى مطالبة الحكومة بدعم المؤسسات الصحفية الحكومية «القومية » ليس فقط بالتساهل معها لحد «الطناش » فى تسديد ما عليها للحكومة -القومية أيضا – ، ولكن بضخ اموال طازجة جديدة «فرش مونى » فى أبدان هذه الكيانات المتكلسة .

ففيما يبدو أن قيادات هذه المؤسسات، لم يرق لهم، تنازل الحكومة ضمنيا عن ذلك الديون -نيابة عن دافعى الضرائب – ، بموافقتها على زيادة رؤوس أموال المؤسسات ببضعة مليارات جنيه، تمثل قيمة ما عليها من مديونية، ومن ثم كتب الزميل رئيس مجلس إدارة روزاليوسف يوم الجمعة قبل الماضى منتقدا الخطوة السابقة، معتبرا -وفقا لنص مقاله – أن الديون التى سترفع رأس المال، ستكون وبالا، لأنها تحدث زيادة وهمية   على الورق، ولن تقابلها زيادة فى ا لأرباح أو الاستثمارات أو رأس المال الحقيقي ..!

والواقع أن الحملة السابقة تقوم بالأساس على مجموعة من الافتراضات «التخيلية » ، تبدأ كلها بأداة التقرير «إن »:

1- إن الصحف الحكومية «القومية » تقوم بواجب ومهام «قومية » فى مواجهة الصحافة الخاصة التى هى فى أدبيات الكتاب الحكوميين «القوميين » ، إما صحافة سوداء مخربة، وإما مطبوعات تستهدف التخديم المباشر   على المصالح الضيقة لملاكها أو تعمل لحساب أجندات أجنبية أو كليهما معا، أو فى أفضل الأحوال -وفى أكثر التعبيرات تأدبا – صحافة تركز على الاثارة بغرض الربحية دونما اكتراث بصالح القراء من المواطنين، ولا بصلاح وصحة ا لمجتمع النفسية، ناهيك عن عدم تناسب أدائها طرديا، مع الأداء «الريادى » لوسائل الإعلام «الريادية القومية ».

2- إن الصحافة الخاصة -أو أغلبها – «ممولة » ، بمعنى أنها نشاط   غير اقتصادي، لا يستهدف الربحية، بل تحقيق أهداف ومصالح غامضة أو حتى ظاهرة، ومن ثم فإن ذلك التمويل، ينبغى مواجهته بالمزيد من اغداق التمويل «القومى » على المؤسسات الصحفية «القومية » ، وإلا انكشف و «تعرى » أمن المواطن، وأصبح الوطن ذاته فى خطر .

3- إن توزيع الحملات الإعلانية والأخبار الخاصة بالحكومة ورجال الأعمال المنضمين للحزب «الوطني » يجب أن يحكمه فى الأساس الصالح «الوطني » – الذى يصب بالطبع فى صالح الصحف القومية «الوطنية »- ، وليس أى اعتبارات أخرى رخيصة، تتعلق بطبيعة المنتج المستهدف تسويقه، أو الخبر المراد نشره، أو حتى تلك الادعاءات الرخيصة، بأن المحررين ومسئولى التسويق بالصحف الأخري، مجبرون بحكم عملهم فى القطاع الخاص، على بذل اقصى الجهد فى تأدية عملهم، بعكس زملائهم فى الصحف الحكومية، الذين هم إما بحكم «القدوة » ، أكثر تركيزا وانغماسا فى التنافس على الصعود والترقى على درجات سلم خدمة الوطن، وإما أنهم -وهذه هى الأغلبية – قد اصيبوا بحالة من اللامبالاة، من فرط ممارسات مؤسساتهم وقياداتهم الوطنية !

4- إن القائمين حاليا على رأس المؤسسات الصحفية القومية، مختلفون عن أسلافهم الذين قبعوا فى أماكنهم لسنوات طويلة، فهم، وإن تشاركوا معهم حب الوطن وأمنه القومي، فإنهم يتمايزون عن سابقيهم برشادتهم وحسن إداراتهم – لا أحد يعطيك أمارة على ذلك – ، وبالتالى فعفا الله عما سلف، وما على الحكومة سوى إسقاط المديونيات القديمة، وضخ بضعة مليارات جديدة، كى تحصل القيادات الحالية على فرصتها فى الاستثمار وإدارة الأصول وإعادة الهيكلة، وصولا الى تحقيق الأرباح، وهى بإذن الله، ستكون وفيرة، وحتى إذا لم تتحقق فإن ضياع هذه الأموال لن يذهب سدى، وإنما سيكون ثمنا بخسا، تدفعه الدولة عن طيب خاطر لحماية أمن المجتمع وسلامه الاجتماعي .. والحزب وحكومته !

والحقيقة أنه لا شئ يجسد مدى الارتباط والولاء الصارمين من جانب قيادات المؤسسات الصحفية الحكومية الجدد بالحزب الوطنى – الذين هم من اعضائه وكوادره – وفكره الجديد، أكثر من الافتراضات التخيلية – السابقة، والتى تكاد تتطابق مع تلك التى ينطلق منها الحزب، لتبرير فرض نفسه على الواقع السياسي .

فكما تطرح القيادات الصحفية مؤسساتها فى مواجهة خطر الاجندات الاجنبية والمصالح المغرضة الغامضة للإعلام الخاص، ويقدم الحزب من جانب قياداته كحتمية تاريخية قدرية لا فكاك منها، فى مواجهة الاجندات المشبوهة لقوى المعارضة الفاعلة .

وكما تنتقد حكومة الفكر الجديد الحكومات السابقة، وتطالب بعدم مؤاخذتها بجرم ما اقترفته هذه الحكومات من اخطاء متراكمة، تردد القيادات الصحفية الصدى، بكيل الاتهامات إلى سابقيها، وكما يتوهم الحزب – ويحاولل أن يوهمنا ويتصرف على اساس – ان لديه تأثيرا ومصداقية وأعضاء وقواعد جماهيرية وشعبية تتيح له البقاء فى سدة الحكم، تسعى القيادات الجديدة، لإيهام الجميع – بما فى ذلك الحزب وحكومته – بأن لديها تأثيرا ومصداقية، وقدرة فائقة على تشكيل الرأى العام .

إلا أنه وحتى نكون منصصفين، فإن الاختلاف – بين كوادر الحزب السياسية والصحفية – يكمن فى أن الحكومة حريصة طوال الوقت على نشر ما قد يتوافر لديها من ارقام ومؤشرات كمبية وتقارير محلية ودولية، تدعم ما تدعيه عن جودة أدائها الاقتصادي، فى حين يتبع الزملاء فى الصحف القومية منطق التعتيم على نتائج أعمالهم، المعروفة باسم القوائم المالية السنوية !

شارك الخبر مع أصدقائك