لايف

النصوص النقدية الغامضة.. شاهد زور

كتبت- ميادة الدمرداش: نادرا ما تحظي الكتابات النقدية بإقبال القراء الذين يميلون أكثر لقراءة الإبداع الأدبي!   وربما ساهم النقاد أنفسهم  في هذا الجفاء الجماهيري بسبب لغتهم الصعبة وأسلوبهم المعقد مما يضاعف من غموض النص الأدبي المتناول نقديا بدلا من…

شارك الخبر مع أصدقائك

كتبت- ميادة الدمرداش:

نادرا ما تحظي الكتابات النقدية بإقبال القراء الذين يميلون أكثر لقراءة الإبداع الأدبي!
 
وربما ساهم النقاد أنفسهم  في هذا الجفاء الجماهيري بسبب لغتهم الصعبة وأسلوبهم المعقد مما يضاعف من غموض النص الأدبي المتناول نقديا بدلا من تبسيطه وتسهيله وشرحه وإزالة غموضه باعتبار هذه الأهداف تدخل في حيز النقد وتعد إحدي مهام الناقد.. الأمر الذي دفعنا للتساؤل حول مدي اكتراث الناقد بالمتلقي أثناء كتابته للنص النقدي؟ وإلي من يتوجه الناقد في الأساس بنصه النقدي؟ هل يتوجه إلي القارئ المتلقي للأدب أم للمبدع كاتب النص الأدبي نفسه؟
 
في البداية أوضح الشاعر والناقد الأدبي الدكتور يسري العزب أن الناقد عليه أن يوطد صلته فيما يكتبه من تحليل نقدي بجمهور المتلقين لأن مهمته الأساسية كناقد تحتم عليه أن يفسر النص وأن يجعل العمل الإبداعي أكثر قابلية للوصول إلي القارئ والتواصل معه، بمعني أنه إذا كان العمل الأدبي به قدر من الغموض يحول دون تواصل القارئ معه، فعلي الناقد ــ قدر استطاعته ــ أن يزيل هذا الغموض ويبني جسرا بين النص والمتلقي بما يملكه الناقد من أدوات فنية ونقدية.
 
وبرر العزب غموض وتعقيد الكتابات النقدية وصعوبتها بأن معظم الأعمال الأدبية الموجودة علي الساحة الثقافية حاليا –  شعرا أو نثرا – هي كلام غير مفهوم حيث يدور أغلبها حول تصورات وهمية تطغي عليها حداثة زائفة، وهي مكتوبة بلغة مرتبكة ومخلخلة، وللأسف وجدت هذه الأعمال المنفصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي من يشبهها من النقاد الذين يكتبون عنها بلغة تزيد من غموضها وانفصالها عن الواقع والمتلقين، فجاءت الكتابات النقدية عن هذه الأعمال مرتبكة ومعقدة لكي يؤكد الناقد فهمه للنص غير المفهوم أساسا، وكأن لسان حاله يقول إنه من غير المنطقي استخدام المنطق في أمور غير منطقية.
 
وأعرب العزب عن أسفه لوقوع بعض القراء في هذا الشرك معتقدين أن لهذه النصوص الأدبية قيمة تتجاوز إدراكهم ولا يعرفون أن أولئك النقاد الذين مجدوها ما هم إلا شهود زور.
 
وأرجع رواج هذه الكتابات _ سواء الإبداعية أو النقدية التي تتناولها ــ إلي التردي السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يمر به المجتمع المصري حاليا، مؤكدا أن التاريخ أثبت الارتباط الشرطي بين التدهور السياسي والاقتصادي وبين اضمحلال الثقافة.
 
أما الدكتور يوسف نوفل، أستاذ النقد الأدبي الحديث بجامعة عين شمس، فقسم النقاد إلي فريقين؛ الأول يري ضرورة توصيل رسالة للمتلقي حول النص الأدبي، وفي محاولته لذلك يراعي فهم القارئ وأبعاد النص المكتوب وتفسيراته دون تعقيد أو استخدام لغة صعبة أو أسلوب عسير، وأكد نوفل أن هذه الفئة من النقاد تنجح في توصيل رسالتها إلي المتلقي سريعا وبوضوح ودون تعال عليه أو ادعاء وتكلف.. وهو الأمر الذي يساهم في تقريب الأدب بصفة عامة إلي رجل الشارع العادي والبسيط ويحطم كل الفواصل والحدود بين المتلقي والألوان الثقافية المختلفة.
 
أما الفريق الثاني فيتعالي علي النص والمبدع والمتلقي معا، وهؤلاء النقاد يتظاهرون بأنهم أكثر ثقافة من الجميع، ومن ثم يلجأون إلي مصادر أدبية ومرجعيات بعضها مجهول أو مشكوك في أمره ويترجمونها أو ينقلون عنها بلا ضابط بهدف التعمية علي مصادرهم والظهور بمظهر العارفين الذين لا يضاهيهم أحد في معرفتهم لأنهم يبدون وكأنهم يطرحون معلومات ويصلون إلي استنتاجات غير شائعة بين أقرانهم من المثقفين وتكون النتيجة النهائية – في رأيه – أن المبدع نفسه لا يفهم أو يقتنع بكلام أمثال هؤلاء النقاد، ويقف المتلقي حائرا أمام غموضهم وترديدهم لشعارات مستوردة ونظريات وافدة.
 
وأكد نوفل أن هذا الفريق الثاني ليس من النقد في شيء، فالنقد موهبة تنطوي علي دراية تامة بنوع الأدب محل النقد، وإذا كان الناقد لم يمر ذاتيا بتجربة إبداعية سواء كانت نثرا أو شعرا فسيكون من الصعب عليه نقد النص، مشيرا إلي أن الناقد الجيد هو الممارس بطبعه للكتابة الإبداعية بحيث يكون عرف طريقه إليها قبل الكتابة النقدية.
 
وحول من يتوجه إليه النص النقدي في الأساس أهو المبدع أم المتلقي، أكد نوفل أن ولاء الناقد ليس للمبدع ولا للقارئ بل يجب أن يكون للنص نفسه، فالناقد الحق يجب أن يعشق النص الأدبي ويؤاخيه ويصاحبه ويداعبه ويحاول أن يتوحد معه، عندئذ تنشط موهبته ويفتح له النص أبوابه المغلقة ويعطيه ما يريد.
 
وأوضح الشاعر والناقد الدكتور كمال نشأت أن النقد الأدبي يصبح ناجحا ويحقق أهدافه إذا استطاع التواصل مع المتلقي العادي غير المختص أدبيا، مرتقيا بذوقه الجمالي، ومشددا علي ان التعامل النقدي مع النص يجب أن يشمل كل وجوهه ليس الفنية والأدبية فقط وإنما أيضا الحياتية وأضاف: النقد الجيد هو الذي يترجم العمل الابداعي ترجمة حياتية وإنسانية لا ترجمة منهجية.
 
وأكد نشأت أن تفوق الكاتب يتوقف علي مدي اكتشافه لخصائص النص من جميع النواحي خاصة علاقة النص بالواقع المعيش مستعرضا مشاكل الحياة وأفراحها وأحزانها من خلال الغوص في سريرة الأبطال وكشف مفردات النص الاجتماعية والانسانية في سياق أدبي يتسم بجمال الأسلوب حتي يصبح النص النقدي موازيا ومساويا للنص الإبداعي، مشيرا الي أن الناقد يتوجه بكتاباته للجمهور المحب للأدب حتي يكتسب خبرة جديدة بالادب من خلال هذه النصوص النقدية ويرتقي ذوقه إذا تحقق له عنصر الاستمتاع بالترجمة النقدية للنص الادبي.
 
ومن جهة أخري أرجع نشأت عدم الإقبال الجماهيري علي قراءة الدراسات والكتب النقدية إلي إحجام الأجيال الجديدة وغالبية المصريين عن القراءة بشكل عام، مؤكدا أن المداومة علي قراءة الأدب مع النقد المعني به يكسب القارئ قدرة أكبر علي الفهم والتواصل مع الإبداع المكتوب عموما.
 
أما الناقد الدكتور مجدي توفيق فتحدث عن تجربته الشخصية في الكتابة النقدية قائلا : أعول فيما أكتب علي القراء وليس الأدباء، فخبراتي طوال السنوات الماضية علمتني أن الأدباء أقل الناس انتفاعا بالنقد، وإن كان الأديب يحترم النقد ويقدره إلا أنه في النهاية حين يشرع في الإبداع ينطلق من قناعاته وما ينشأ عن روحه باعتباره حقيقة يحرص عليها ويفضلها علي أي اقتراح آخر. فهو يفضل دائما ما في رأسه علي ما يقوله الناقد ، وإن كان بعض الأدباء يحترمون النقد ويحرصون علي قراءته مفترضين الاستفادة منه.
 
أما القارئ فهو أكثر بساطة ويستحق الجهد المبذول لأجله حتي يطور الناقد تصورات القارئ عن الأدب، ومن ثم يكون توجه الناقد للقارئ هو الأهم خاصة في مجتمع يحتاج إلي مشاركة الناقد ليلعب دور الوسيط بين المبدع والقارئ لزيادة معدلات القراءة والتوزيع وتصحيح الأفكار الشائعة في المجتمع عن الأدب وعن الحياة عموما.
 
 وأضاف توفيق : إذا كان الناقد وسيطا حقا بين الأدباء والقراء فإن العنصر الأكثر تأثيرا فيه هو القراء حيث يتعين عليه أن يخاطبهم  بلغة أدبية وأداء شارح ميسور حتي يستوعبوا النقد ويحبوه ويؤثر إيجابا في تعاطيهم للأدب.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »