رجائى عطية

النبي الروائي

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لم أصدق هذه التسمية: »النبي الروائي« التي أطلقت علي الروائي الروسي ليو تولستوي، إلا بعد أن قرأت سيرة حياته بالإضافة إلي بعض أعماله.. قرأت الحرب والسلام وأنا كارنينا قبل أن أقرأ سيرة هذا الأديب الروائي الفذ.. وقع في يدي في أغسطس 1959 كتاب الهلال.. بعشرة قروش.. »اعترافات شبابي«.. فيه يحكي تولستوي اعترافات شبابه، أو سيرة حياته في مرحلة الشباب.. ولكن لماذا أطلقوا عليه أنه »النبي الروائي؟.
 
      الجواب أن هذا الروائي الفذ »1910-1828«، كان صاحب رسالة يدفعها إلي غايتها قلب كبير وحس صادق دقيق عميق.. كان غريبا وهو من سلالة النبلاء، وأصحاب الاقطاعيات والضياع، أن ينتهي رافضا لهذا من خلال نضج إنساني رفيع عبر رحلة امتلأت بالتعريجات والمنعطفات.. تلمح إحساسه الإنساني من بواكير حياته.. تراه وسنه بالكاد »20 « سنة يحاول إنشاء مدرسة لتعليم الفلاحين، وفي منعطف متعرج يندفع بعد ذلك وراء الملذات في موسكو وبطرسبورج، ثم يلتحق بالجيش »1851« ويحارب في القوقاز، ويشترك »1854« في الدفاع عن سباسيتول، وهي التجربة التي أمـدته بمادة رائعته: »الحرب والسلام«.
 
في أعقاب إخفاقه الثاني في إنشاء معهد لتعليم الفلاحين، ثم سياحته في أنحاء وربوع أوروبا، أخذت الشكوك التي كانت تنتابه منذ شبابه تزداد حدة، ومر نحو عام »1879« بأزمة روحيه انتهت به إلي ارتداده إلي الإيمان بالمحبة المسيحية، وإلي اعتناق مبدأ المقاومة السلبية للشر، وجعل يسجل ما مر به من منعطفات وتعريجات حتي بلغ الإيمان في ” اعترافاته ” التي كتبها بصدق لافت، روي فيها هذا الفيلسوف الروائي الحكيم كل الأطوار التي عرضت له في شبابه حتي تكاملت شخصية الإنسان الذي صار له كيان خاص له اتجاهاته وطابعه الذي صدق معه وأخلص له ما بقي من حياته.
 
كان تولستوي قد تزوج ووهب ذرية عديدة مكفولة الثروة والسعادة في ضياعه الواسعة، بالمقاطعة التي كان يملكها.. ولكن تولستوي يعطي ظهره لهذا كله، ويوزع أراضيه الواسعة وخيرات ضياعه علي الفلاحين، ويعتكف في صومعته يستقطر حكمة ما وصل إليه، ويسخر قلمه للدعوة إلي إيمانه الجديد في سلسلة أعمال عرض فيها خلاصة تجربته ودعوته.. فكتب: »عرض مجمل للكتاب المقدس«، و»ما أؤمن به«، و»ماذا يجب أن نصنعه إذن« و»قانون المحبة وقانون القوة«.. ولكن مسلكه وما أخذ به نفسه يشكلان صورة نادرة للصدق مع النفس والغير.. تراه لا يستبقي لنفسه من أملاكه الواسعة التي جعل يوزعها علي الفقراء، إلاّ ما يمسك به الرمق، ويستوحي قلبه وضميره ليس فقط فيما يكتبه، ولكن أيضا فيما يفعله بقلب رحيم وضمير حي.. يدعو إلي الإخاء والسلام، وينبه إلي أن الدنيا بلا حروب تتسع للجميع.. يسمع به المهاتما غاندي فيقتدي به في دعوته، والإمام محمد عبده فيراسله، وتلتفت الدنيا إلي هذه الدعوة التي أطلت علي الإنسانية بلا نبوة. تبحث عن صلاح المجتمعات بصلاح النفوس، وتنبّه إلي المسئولية الخلقية العظمي الملقاة علي الفنان، ويضرب تولستوي المثل بنفسه فيتخلي عن جميع ممتلكاته، ولا يثنيه اعتراض زوجته والخلاف الشديد الذي شجر بينهما، ولا يرده عما انتواه ونفذه صدمة انضمام أولاده إلي زوجته واعتراضهم معها عليه.. لم يبق إلي جواره إلاّ إبنته الصغري الكسندرا.. هي فقط التي صاحبته ولازمته حينما ترك بيته وما وراءه من الدنيا سنة »1910«.. ولم يعش هذا المهاجر أو النبي الروائي إلاّ بضعة أشهر بعد مفارقته اقطاعياته، فمات في إحدي محطات السكة الحديدية، وربما لو لم تكن معه وقتها ابنته الوفية الكسندرا ما عرفه يومها أحد..
 
لو أردت أن تلخص هذه الشخصية الفذة، وأثرها الهائل العريض، لما وجدت أدق في التعريف بعبقريته ـ أفضل من أن مهجته التي إهتدي إليها وفارق الدنيا عليها كانت هي »الصدق مع النفس«!
 

شارك الخبر مع أصدقائك