رجائى عطية

الميكافيلية الحسناء؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لعله لا يوجد كتاب حظي بالشهرة ككتاب »الأمير« الذي وضعه »ماكيافيلي« في القرن السادس عشر.. تعرف الكتاب من قائمة أشهر قرائه بأكثر مما قد تعرفه من عنوانه.. لم ينكر أحد أن »طغاة« كل عصر وجدوا في مادته بغيتهم ، علت بالبعض، وهوت بالبعض. أورد روبرت. ب. دوانز  في مؤلفه: »كتب غيرت العالم« الذي ترجمه أمين سلامة لهيئة الكتاب سنة 1977.. أن قائمة الطغاة القراء الذين أعجبهم الكتاب شملت فيمن شملت: الإمبراطور شارل الخامس، وأوليفر كرومويل الذي اعتنق مبادئه وطبقها في حكومة الكومنولث، وكلاً من هنري الثالث وهنري الرابع الفرنسيين، وسَاعَدَ فريدريك العظيم علي صياغة سياسة روسيا، وجعل منه لويس الرابع عشر »طاقيته الليلية المفضلة«، ووجدت منه نسخة معلق بحواشيها في عربة نابليون في ووترلو، واستمد منه نابليون الثالث معظم أفكاره، وكان بسمارك تلميذا مخلصا لما جاء فيه، واحتفظ به أدولف هتلر في مخدعه، واعتبره موسوليني دليله السياسي الرائع!
 
من اللافت أن تبقي الميكيافيلية التي بشر بها كتاب »الأمير« ـ عالقة في الأذهان لما يزيد علي الأربعة قرون، يتقدمها شعار كثر ترديده لمن يعرف ولمن لا يعرف: »النهاية أو الغاية تبرر الوسيلة«.. أو »تخلق الملاءمة السياسية«.. لم ينشر الكتاب إلاَّ سنة 1532م بعد وفاة مؤلفه بخمسة أعوام وإن سبقت مخطوطوته إلي طغاة عصره. أفرغ فيه المؤلف الإيطالي خلاصة تجاربه في خدمة الحكومة في فلورنسا ثم  في توسكاني ثم في روما ثم في ما وراء جبال الألب، وتعرف فيها علي كثيرين من أعلام عصره، واتخذ بطلا للكتاب القائد القدير »سيزار بورجيا« ابن البابا ألكسندر السادس.. أوحت بالكتاب آمال ميكيافيلي في أمة إيطالية موحدة إرتأي فيها صالح الدولة، ولكن علي مستويات أخلاقية تتعامل تعاملا مختلفا مع الحياة، فحواها أنه من اللائق بالسياسي أن يقوم لصالح الشعب (؟!) بأعمال العنف والخداع التي تستحق اللوم وتوصف في المعاملات الخاصة بالإجرام !
 
علي مدار القرون الأربعة ظل كتاب »الأمير« ضروريا للطغاة، لا يعلمهم فقط كيف يحصلون علي السلطة، ولكن أيضا كيف يحتفظون بها.. ولكن كيف؟! تختلف النصائح أو الوصايا تبعا لمناطق الحكم الأصلية أو المحتلة، ولكن تظهر في هذه وتلك معتقدات مكيافيلي.. طباع الجماهير متقلبة، ومن السهل إغراؤها بقبول أي شيء، وإن صعب ثباتها علي هذا الإغراء، لذا فإن من لم يؤمن من الناس طوعا، وجب إجبارهم علي الإيمان بالقوة!!
 
لذلك فالقائد الفذ القوي البأس: »سيزار بورجيا«، يستحق التقريظ والتمجيد.. يقدمه مكيافيلي كنموذج واجب المحاكاة.. المهم أن يتغلب الحاكم سواء بالقوة أو بالغش، وأن يجعل نفسه محبوبا ومرهوبا في آن واحد. أن يفرض مسيرة الجنود ورائه واحترامهم له، وأن يستأصل شأفة كل من كان ذا قوة أو عقل يمكنانه من إلحاق الأذي به، وأن يكون قاسيا وخيرا في نفس الوقت.. يحطم العسكرية غير الوفية ويخلق بدلها عسكرية جديدة، ويحافظ علي صداقة الأمراء وذوي الحول والقوة بطريقة تضمن مساعدتهم إياه.
 
من المبادئ المكيافيلية أنه يجب الإسراع بإنزال الأضرار بضربة واحدة، بدلا من الاضطرار إلي تجديد إيقاعها يوميا، وليسهل بعد ذلك طمأنة عقول الناس واكتسابهم بالمنافع. ولا ينبغي للأمير أو الحاكم أن يجري أو يعيش كما يجري الناس ويعيشون. من الضروري له إذا أراد المحافظة علي مركزه أن يتعلم كيف يتصف بشيء آخر غير الطيبة، وأن يستعمل الطيبة أو لا يستعملها حسب مقتضيات الأحوال. ولأنه من المستحيل أن يتحلي الأمير الحاكم بكل المناقب، توجب عليه أن يكون حاذقاً بما فيه الكفاية بحيث يعرف كيف يتحاشي مثالب الرذائل التي تهدد حكمه!
 
ليس مهما ماذا تنفق، ولكن الأهم أن تنفق بسخاء مما لا يخصك أو يخص رعاياك.. ما يضرك هو أن تنفق مما يخصك، أما القسوة فهي محمودة ما دامت إحدي وسائل الاحتفاظ باتحاد الرعايا وطاعتهم، فقمع الفتنة بإجراءات فورية أكثر رحمة من ترك الأمور تجري في أعنتها، فينتج عن ذلك الاغتصاب وسفك الدماء!
 
ولكن ماذا هو الأفضل للأمير أو الحاكم، أن يحَب أكثر مما يخَاف، أو أن يخَاف أكثر مما يحَب؟. وهذان نقيضان قلما يجتمعان معا، لذا وجب الاختيار بينهما. من الأكثر أمنا ـ فيما يقول مكيافيلي ـ أن يخَاف الأمير أكثر مما يحَب، إذ من المؤكد أن عموم الناس ناكرون للجميل ومتقلبون وخائنون وجشعون  يقفون إلي جانب من في وسعه أن يغدق عليهم المنافع، ويجافون غيره، وهم علي استعداد للتضحية طالما أن الخطر بعيد عن التضحية بممتلكاتهم وحياتهم وأولادهم، فإذا جاء وقت الجد أداروا ظهورهم!
 
أبرز ما استحق الشجب والاحتقار والإدانة في كتاب »الأمير« ـ ما ورد بالباب (18) من أنه وإن كانت المحافظة علي الثقة جديرة بالثناء، إلاَّ أن الخداع والنفاق والزور ضرورة مغفورة من أجل الاحتفاظ بالقوة السياسية. ومادام معظم الناس خائبون لا يثقون، وجب في المقابل عدم الثقة بهم. والطريقة المثلي أن يمزج الأمير أو الحاكم في استخدام القوة بين المناسبة للبشر وتلك المناسبة للوحوش، وأن يختار من بين الوحوش الأسد والثعلب، ثم يجب ألا ينسي أن يقوم بنفسه بتوزيع الهدايا والهبات، وأن يترك للمرءوسين مسئولية توقيع العقاب أو التصرف في كل ما يثير عدم الرضي أو الحنق العام.. هنالك سوف تبدو الميكافيلية جميلة »حسناء«.. مقبولة مرغوبة في عيون الناس!..

شارك الخبر مع أصدقائك