حازم شريف

المواطن‮ «‬مؤمن‮»‬

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم -حازم شريف:

لم أتعجب كثيرا عندما قرأت نص تحقيقات نيابة أمن الدولة مع الجاسوس طارق عبدالرازق، التي نشرتها جريدة الشروق يوم السبت الماضي، وذكر المتهم فيها بالنص: أن ضباط الموساد قد أحضروا له خمورا ونساء في الفنادق، ولكنه رفض، وقال لهم إنه لا يشرب الخمر ولا يعاشر النساء، ولا يأكل لحم الخنزير ويصلي ويصوم؟!
 
تعجبت فقط من علامتي الاستفهام والتعجب التي ذيلت بهما الجريدة الاعترافات السابقة.
 
وأزيد: إنني لن أندهش علي الاطلاق، اذا ما حاورَتْ الجريدة غدا عسكري الحراسة المرافق للمتهم، فأقسم بأغلظ الايمان، انه قد شاهده يتابع بشغف وتأثر شديدين فيلم »الصعود إلي الهاوية«، علي شاشة جهاز التلفاز المتهالك، المتكئ علي رف عتيق في »كانتين« السجن، قبل أن تمتلأ عيناه بالدموع مع جملة مشهد النهاية »هي دي مصر يا عبلة«، وينتصب صائحا في حماسة صادقة خالية من الادعاء: »هي دي مصر يا بنت الكلب…«!
 
وأرجو ألا يتعجل القارئ في الاندهاش من عدم اندهاشي، حتي لايفتح بابا واسعا للاندهاش أمامي مرة أخري .
 
فـ»طارق« لا يعيش في مصر بمفرده، هناك ملايين من المواطنين مثله، يسبحون في مياه من القيم الملتبسة العكرة، تجعلهم يرتكبون المعصية كل يوم، وينكرون الإتيان بها، في الوقت نفسه، الذي يلعنون فيه العصاة الآخرين، أو يتبجحون في مواجهتك بارتكابها، علي أنها نوع من الاجتهاد والشطارة، ما كنت لتتورع شخصيا عن مزاولته، إذا ما واتتك الفرصة، وتهيأت لك الظروف، وتملكت من الموهبة والقدرة، ما يعينك علي فعله.
 
المهم تسديد الخانات الدينية، افعل ما شئت، ولكن لا تنس أن تطلق لحيتك -ماديا أو معنويا-، وباه الآخرين بصيامك يومي الاثنين والخميس، وأداء صلاة التراويح، والاستماع إلي الدروس الدينية، فلسوء الحظ، أو ربما لحسن حظ الجميع، أن الخط الفاصل بين الفضيلة والرذيلة في العصر الحديث، غير معرَّف دينيا.
 
اقتصاد السوق المعاصر به كثير من الموبقات التي لم تنل نصيبا من الاجتهاد الفقهي، وكيف تظفر بذلك، وآليات العرض والطلب في سوق الفتاوي، تعمل بكفاءة، قلما تتوافر في سوق أي سلعة أخري في مصر.
 
علي سبيل المثال لن تري شيخا واحدا، يفتي بعدم جواز استخدام المعلومات الداخلية في التداول بالبورصة، إذ لا يوجد من هو مهتم، أو لديه مصلحة في طرح السؤال من الأساس، فقد تأتيه-رغم أنفه- إجابة بالنهي والتحريم.
 
حاول عبثا، أن ترصد رجل دين، أتاحت له الظروف، أن يسأله مواطن مستهلك للفتوي، في مدي شرعية تعارض المصالح، كاستخدام شخص وظيفته الأساسية في التربح من خلال أعمال أخري يزاولها، كالمدير في شركة الاتصالات الذي يؤسس شركة خاصة، تقوم بتوريد بعض المهمات للشركة التي يعمل بها، أو الوزير الذي يساهم في شركة تنافس علي مشروعات تتبع وزارته.
 
كما لم يأت بعد، هذا الداعية الجهبذ، الذي تدفعه جماهيره لاصدار حكم في مسألة مخالفة مواثيق الشرف المهنية، كالمحامي الذي يسرق العملاء من المكتب الذي يعمل به، ورئيس التحرير الذي يستبيح لنفسه أن يكتب آخرون باسمه نيابة عنه.
 
سوق الفتاوي تعج بالطلب علي ما يمكن أن نطلق عليه فقه المزايدة أو التزايد في الدين، كدخول الحمام وعطر المرأة والنقاب، واستطلاع رأي الدين فيما لا يحتاج إلي فتوي أصلا لو استفتيت فيه قلبك أو أي عقل سليم.
 
تجلس مع أحد المضاربين في سوق الأوراق المالية، باستخدام المعلومات الداخلية واطلاق الشائعات، فيسرد لك مغتبطا، قصصا اسطورية، تُفَصِّل شطارته في جني الأرباح. تتملكك رغبة في القيء، تستحثك علي تغيير الموضوع، ترسم بصعوبة ابتسامة صفراء علي وجهك المنهك، وتتصنع ـ في جلدّ ـ سؤالا تافها: ما أخبار »الحريم« معك؟
 
تتبدل ملامحه، في لحظة فارقة، من النشوي إلي التقوي، ويجيبك مقتضبا: الحمدالله الذي أكرمني كما تري، وأنا لا أريد أن أغضبه أو أن أنجس نفسي!.. ولا يفتأ أن يذكرك بتقوي الله!
 
تحاجج صحفيا يتم تصعيده مهنيا في الصحيفة التي يعمل بها، وفقا لمعايير غير مهنية كجلب الاعلانات والعلاقات الحزبية، فيلقمك حجرا عن تشجيع الرؤساء، وحفاوتهم علي مساهمته الفعالة في بناء المؤسسة، يعقبه بنظرة حانية، يصوبها مباشرة إلي حدقيتيك المتسعتين، تصاحبها مقدمة تبريرية، تتبعها نصيحة روحانية: أنا أساعد المؤسسة ولا أحصل إلا علي حقي من التقدير والمكافآت، وكما تري فإن الله قد أكرمني، فأنا لا أغضبه قط، أصلي وأصوم وأؤدي الزكاة بانتظام… أنصحك أن تواظب، وستري كيف سيكرمك مثلي!
 
 تضاجع امرأة ساقطة في الفراش، تفاوضك علي الأجرة، ثم تجادلك دون مناسبة، في شرعية الحجاب أو النقاب، الذي تحرص علي ارتدائه، كي تضمن به، أن يكرمها الله في مالها ونفسها واولادها!
 
تضبط موظفا متلبسا بالسرقة، أو صحفيا ينقل موضوعا سبق نشره، فيهاجمك مدعيا أنه افضل ورعا وأكثر تقوي منك، لأنه لا يغضب الله بشرب الخمر، في حين أنه قد سبق لك، احتساء زجاجة جعة »بيرة ستلا« رخيصة علي مقهي الحرية!
 
لاحظْ أنه لن يتجرأ علي الدخول معك في هذه المبارزة الدينية، لو كنت من المعروف عنهم، تناول أغلي انواع النبيذ الفرنسي أو الويسكي الاسكتلندي، فالثقافة الدينية في مصر، لها اعتباراتها الطبقية.
 
نعود إلي »طارق« الذي لم يأت بجديد يخالف المنطق السائد. فكما لا يسمي المرتشي، ما يتقاضاه بغير حق رشوة، بل اكرامية أو حَسَنَة، وكما لا يطلق المضارب باستخدام وسائل غير مشروعة علي ما يظفر به من أرباح سرقة، بل نعمة إلهية، وكما يري المعلم أن ثروة الدروس الخصوصية »رزق حلال«، تباركه السماء، لا يربطها رابط، بتخليه عن ضميره المهني في الحصص المدرسية….. فيقيني أن »طارق« لم يطف في أطراف خياله، أن يوصف ما يقوم به من تخابر علي أنه درب من دروب الجاسوسية أو خيانة الوطن.
 
هو علي أقصي تقدير ـ في ظنه ـ عمل يتسم بالإثارة والفهلوة، يستهدف به جمع مبلغ من المال، يقايضه بقدر ضئيل من المعلومات، لا تضر أحدا، وحتي لو أضرتْ، فَوٍزْرُها محدود، وقطعا مغفور- كذنوب الآخرين- إذا ما نجح في مجاهدة النفس، وامتنع عن ارتكاب الكبائر كالزنا وشرب الخمر وافطار شهر رمضان.
 
في هذا السياق، أقوال المتهم »طارق« في التحقيقات لا تدعو للدهشة. أما ما يبعث حقا علي الانزعاج، فهو ذلك التعايش السلمي المستقر القائم بين فساد أخلاقي مستشري بكل أنواعه، وثقافة دينية تجارية بالغة السطحية.، فساد يرتع بأريحية، لا يقابله رادع داخلي في عقول ووجدان مرتكبيه، سواء كان رادعا دينيا سماويا، أو وضعيا بشريا.
 
القيم الانسانية هي نتاج تراكم ساهم به مختلف الحضارات الانسانية، ولا يعيبنا أن نبدأ من نقطة انتهاء الآخرين، بوضع أطر تشريعية ونظم تعليمية واعلامية جديدة، تؤسس لبناء دولة مدنية، تقوم علي سيادة العقل، وتجنيب الخرافات، واحترام القانون، والتأصيل لنظام سياسي تعددي ديمقراطي… بشكل جدي، وليس علي طريقة الحزب الوطني الديمقراطي، والمواطن المتهم طارق عبدالرازق!
 

شارك الخبر مع أصدقائك