استثمار

المستثمرون يتجهون للمضاربة.. بدلاً من التنمية الحقيقية

منال علي: تروج حكومة الدكتور نظيف إلي برامجها الإصلاحية مدللة علي نجاحها بارتفاع معدلات النمو خلال العامين الماضيين، في ظل معاناة الاقتصاد المصري من تفاقم الدين العام خاصة الدين العام المحلي، ومعتمدة في دعايتها الإعلامية علي تحقق معدلات نمو مرتفعة…

شارك الخبر مع أصدقائك

منال علي:

تروج حكومة الدكتور نظيف إلي برامجها الإصلاحية مدللة علي نجاحها بارتفاع معدلات النمو خلال العامين الماضيين، في ظل معاناة الاقتصاد المصري من تفاقم الدين العام خاصة الدين العام المحلي، ومعتمدة في دعايتها الإعلامية علي تحقق معدلات نمو مرتفعة بلغت نسبته %6,9 خلال العام المالي 2006/2005 لأول مرة منذ 15 عاما مضت إلا أن المحللين الاقتصاديين يرون أن معدلات النمو التي حققتها الحكومة جاءت عن طريق الصدفة نتيجة الظروف الطارئة التي تمر بها المنطقة العربية، والتي أدت إلي دخول فوائض مالية بصورة عابرة داخل الاقتصاد المصري، وأن ارتفاع الأرقام الدالة علي نمو الاستثمارات الأجنبية التي تعلن عنها الحكومة كدليل علي نجاح سياستها الإصلاحية لا تعكس من الناحية الواقعية نجاح تلك السياسة وليست مؤشرا قويا علي تنشيط حركة الاستثمار ودخول استثمارات أجنبية جديدة داخل السوق المصرية، إذ يشكل معظم هذه الاستثمارات العائدات المحققة من وراء بيع شركات القطاع العام، فضلا عن ارتفاع الدين العام خاصة الدين العام المحلي والذي توقعت وزارة المالية نفسها ارتفاعه بصورة مستمرة خلال السنوات القادمة بنسبة تصل إلي %6 سنويا.

ويوضح فخري الفقي استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن مصر تعاني حاليا من دخولها في حلقة متشابكة من المشكلات، تتمثل في ارتفاع عجز الموازنة العامة بسبب تفاقم حجم الانفاق مما يجعلها تلجأ إلي الاقتراض لتغطية حساباتها الجارية في ظل وجود حاجة شديدة لتوجيه تلك الأموال لإقامة مشروعات استثمارية لدفع عجلة التنمية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلي تفاقم عجز الموازنة وارتفاع أسعار الفائدة بما يرفع تكلفة الإنتاج، ويؤدي إلي هبوط معدلات نمو الاستثمار وارتفاع معدلات التضخم. وفي ظل هذه الأوضاع يتجه المستثمرون نحو المضاربة بهدف الحصول علي أكبر قدر من الأرباح في أقصر وقت ممكن بدلا من التوجه إلي إقامة مشروعات استثمارية وتنموية تنهض بالاقتصاد القومي مرة ثانية.

ويوضح «الفقي» أن المعايير الأوربية تحدد نسبة الأمان التي يجب أن يكون عليها الدين العام (خارجي ومحلي) لأي دولة بـ%60 من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يقترب الدين العام المحلي المصري وحده من %90 من الناتج المحلي وبإضافة نسبة الدين العام الخارجي إليه يصبح الدين العام المصري متخطيا حدود الأمان التي أقرتها القواعد الدولية بنسبة كبيرة جداً.

ويري «الفقي» أن مصر تمر بسبع سنوات عجاف وسبع سنوات سمان، إذ كان أداء الاقتصاد المصري عام 1982 حتي 1990 سيئا حيث شهدت هذه الفترة الزمنية اضطرابات عنيفة، وعلي العكس جاءت السنوات السبع التالية من 19,0 حتي 1997 لتشهد تطورات كبيرة في أداء الاقتصاد المصري من خلال برامج الإصلاح التي طرحتها الحكومة خلال هذه الفترة، بينما شهدت السنوات السبع التالية من 1997 حتي 2003  تدهورا محلوظا في أداء الاقتصاد ومعدلات النمو، ثم أتت حكومة الدكتور نظيف الحالية محظوظة بحلول سبع سنوات سمان أخري بدأت من 2003 ومستمرة حتي الآن، إذ شهدت هذه الفترة دخول فوائض كثيرة بالاقتصاد المصري بعضها يرجع إلي عوامل خارجية، أهمها تمركز القوات الأمريكية في المنطقة العربية مما رفع أسعار البترول وأنعش عائدات قناة السويس وعائدات السياحة، وبعضها جاء نتيجة عوامل داخلية أهمها تنشيط حركة خصخصة شركات القاطع العام.

ويري الفقي أن اعتماد الاقتصاد المصري علي الفوائض التي دخلت إليه بصورة عرضية خلال فترة حكومة الدكتور نظيف ينبيء بظهور اختلالات هيكلية علي المدي الطويل، إذ لم تقم الحكومة بإعداد برنامج شامل لتصحيح أوضاع الاقتصاد عن طريق تشكيل مجموعة من الخبراء الاقتصاديين المتخصصين وتسخير جميع إمكانيات الدولة لإعادة التوازن للاقتصاد المصري مرة ثانية.

وأكد الفقي أن الدين العام وخاصة الديون المحلية سوف تكون العبء القاسي الذي يتحمله الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر القادمة والذي قد يؤدي إلي انهيار الاقتصاد المصري بأكمله.

وبلغ إجمالي الدين العام المحلي 510.805 مليار جنيه خلال العام المالي 2004 -2005 مقابل 434.846 مليار في العام المالي 2004-2003 وارتفع مرة أخري إلي 593.493 مليار بنهاية العام المالي 2006-2005، وفقا لأرقام البنك المركزي المصري.

وفي هذا السياق يري حمدي عبدالعظيم عميد أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقا، أن أزمة الدين العام المحلي في مصر تكمن في مزاحمته للقطاع الخاص داخل مؤسسات التمويل، مما يترتب عليه انحسار في الأموال التي يمكن أن يحصل عليها القطاع الخاص لإقامة مشروعاته الاستثمارية، بالإضافة إلي أن الديون المحلية المصرية لا تتوجه إلي استثمارات تنموية يمكنها در عائد علي الدولة في المدي الطويل، وإنما معظمها ديون قصيرة الأجل توجه إلي تغطية عجز الحساب الجاري بما يدخل الحكومة المصرية في حلقة مفرغة تتمثل في لجوئها إلي الاستدانة لتغطية الحاجات الاستهلاكية الملحة لديها وترحيل الديون إلي فترات زمنية أطول من خلال طرح أوراق مالية جديدة في سوق الأوراق المالية، وهذا الأمر يشكل خطورة كبيرة جدا في المدي الطويل علي نمو الاقتصاد المصري ويضعف قدرة الحكومة علي السداد.

ورغم عملية الإصلاح التي قامت بها حكومة الدكتور أحمد نظيف منذ توليها مهامها، يؤكد «عبدالعظيم» أن الدين العام المحلي في مصر مازال خارج الحدود الآمنة التي تستقر عليها القواعد الدولية والتي تشترط عدم تخطي الدين العام لأي بلد نسبة %60 من إجمالي الناتج المحلي، بينما يقترب الدين العام المحلي في مصر من %95 من إجمالي الناتج المحلي.

ويري «عبدالعظيم» أن الحكومة المصرية تعتمد علي القطاع الخاص في دفع عملية التنمية وهي في اتجاهها هذا علي غير صواب، حيث إن القطاع الخاص في مصر يعتمد علي الاستثمارات التي تنتج مكاسب سريعة وكبيرة في الوقت ذاته بغض النظر عن أهمية تلك الاستثمارات في عملية التنمية وارتفاع معدلات الناتج المحلي الحقيقي.

وكشف التقرير الشهري الصادر عن وزارة المالية ارتفاع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي (حسب تكلفة عوامل الإنتاج) بنسبة %6.8 خلال النصف الأول من العام المالي 2007/2006 مقارنة بنسبة %6.6 خلال نفس الفترة للعام المالي 2006/2005 أما علي المستوي السنوي فقد بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي (بأسعار السوق) نحو %6.8 خلال العام المالي 2006/2005 مقارنة بـ%4.5 خلال العام المالي 2005/2004.

وعلي العكس يري الخبير الاقتصادي محمد الصهرجتي أن الدين العام المحلي لا يمثل عبئا علي الموازنة العامة لأنه لم يتعد الحدود الآمنة ولا يشكل عائقا أمام ارتفاع معدلات النمو في مصر بدليل تزايد حركة الاستثمارات الأجنبية والمحلية باستمرار، وارتفاع معدلات النمو خلال العامين الماضيين.

وقد ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية إلي 10 مليارات دولار خلال العام المالي 2007/2006 بالإضافة إلي ارتفاع حجم  الاستثمار المحلي بنسبة %30 خلال العام المالي الحالي مقارنة بالعام المالي السابق، حسبما توضح الأرقام الصادرة عن وزارة المالية.

كما أعلنت وزارة المالية مؤخرا عن توقعاتها بارتفاع معدل النمو إلي %7.5 خلال العام المالي القادم 2008/2007 وأن معدلات النمو سوف ترتفع تدريجيا حتي %10 بحلول 2010.

ويضيف «الصهرجتي» أن الدين العام المحلي يشكل خطورة علي الاقتصاد في حالة واحدة إذا كان يزاحم القطاع الخاص داخل مؤسسات التمويل بصورة تعوقه عن الحصول علي التمويل اللازم لإقامة مشروعاته الاستثمارية، وتوجيه هذا الدين في الوقت نفسه إلي تغطية حاجات الحكومة الاستهلاكية التي لا تدر عائدًا علي الاقتصاد في وقت لاحق، وهذا الأمر غير متحقق بالنسبة لحالة الديون المصرية، بل إن الاقتصاد المصري ينمو بمعدلات مرتفعة.

ويوضح علاء الشاذلي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الدين العام سواء كان محليا أو أجنبياً يشكل خطورة علي الاقتصاد القومي في حالة ارتفاع النفقات الجارية بصورة كبيرة في ظل انخفاض مصادر الدخل السيادية وضعف قدرتها علي تغطية جميع الاحتياجات الاستهلاكية للدولة، بما يضعف قدرة الحكومة علي سداد الدين وأقساطه.

وبالنظر إلي حالة الديون المصرية يؤكد «الشاذلي» أن الدين الخارجي لا يمثل خطورة علي الاقتصاد المصري إذ تملك الحكومة القدرة علي السداد وذلك لارتفاع احتياطات النقد الأجنبي داخل البنك المركزي، أما الدين العام المحلي فيمثل عبئا شديدا علي الموازنة العامة للدولة حيث يرتفع بصورة مطردة بما يهدد عملية الإصلاح وتنشيط حركة الاستثمار في السوق المصرية.

وقد بلغ إجمالي الدين العام الخارجي 29.593 مليار دولار خلال العام المالي 2006/2005 مقابل 28.949 مليار دولار خلال العام المالي 2005/2004، وفقا للأرقام المبدئية الصادرة عن وزارة المالية.

كما يري «الشاذلي» أن النمو الذي يشهده الاقتصاد خلال الفترة الحالية ناتج عن الظروف الطارئة التي تمر بها المنطقة العربية والتي أدت إلي ارتفاع أسعار البترول وارتفاع عائدات قناة السويس وعائدات السياحة وارتفاع تحويلات العاملين المصريين بالخارج، وعائدات الخصخصة، وليس ناتجا عن استثمارات حقيقية ضخت في الاقتصاد المصري ولذلك يتنبأ «الشاذلي» بظهور الوجه القبيح لحالة التقصاد المصري عند اختفاء تلك الظروف الطارئة، في صورة ارتفاع في عجز الموازنة وتباطؤ شديد بمعدلات النمو وظهور نوبات تضخمية.

وقد ارتفع العجز الكلي في الموازنة العامة للدولة إلي 59.4 مليار جنيه خلال العام المالي 2006-2005 مقابل 51.643 مليار جنيه في العام المالي الأسبق، وحوالي 46 مليار جنيه في العام المالي 2004/2003 حسب البيانات الصادرة عن وزارة المالية، مما يعني تزايد الضغوط نحو لجوء الدولة إلي الاقتراض لتغطية هذا العجز خاصة وأن فائض ميزان المعاملات الجارية تراجع بنسبة %39 إلي 1.75 مليار دولار خلال العام المالي 2006-2005 مقابل 2.9 مليار دولار خلال العام المالي 2005-2004 في حين بلغ هذا الفائض حوالي 3.4 مليار دولار في العام المالي 2004-2003 وفقا للأرقام المبدئية للبنك المركزي المصري.

ويقول «الشاذلي» إن أفضل الطرق لامتصاص الآثار السلبية لارتفاع الدين العام المحلي علي المدي الطويل هو ترشيد الانفاق الحكومي وإعادة هيكلة مصادر الدخل السيادية بحيث تستطيع تغطية احتياجات الحكومة دون حاجة إلي اللجوء للاقتراض، وتوجيه جهود الحكومة المصرية نحو خلق بيئة استثمارية جاذبة للاستثمار بما يحقق نموا حقيقيا للاقتصاد المصري قائما علي دعائم داخلية قوية وليس نموا عارضا عن طريق الصدفة التي تحققها الظروف الخارجية.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »