المستبد الجديد

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية:

لمرة ليست أخيرة تصطدم مصر هذه الأيام .. بحراك دستورى جديد، هو الأخطر بالنسبة للتطورات السياسية المتعاقبة .. منذ صدور أول دستور (خديوى ) مطلع ثمانينيات القرن 19 ، قبل أن تلغيه سلطات الاحتلال البريطانى، ليصدر – تحت رعايتها – من بعد – دستور 1923 ، بالتوازى مع الاستقلال الأول لمصر، يكرس لملكية شبه دستورية، أقدمت على إلغائه فى 1930 ، لحساب آخر «سيئ الصيت » ، وفي ظل حكومات القصر من أحزاب الأقلية التى حكمت البلاد بـ «القبضة الحديدية ».. إلى أن أعيد العمل بالدستور السابق 1935.. حتى مطلع الخمسينيات حيث أطيح به .. لتحل محله ما قد يسمى «فوضى دستورية » دامت لستة عقود خلت .. إلى اليوم، تراوحت ما بين العمل بموجب دساتير مؤقتة ودائمة .. ولظروف الوحدة مع سوريا .. إلى تعديلات دستورية تتلوها أخرى .. تتصل بالشريعة وبالرئاسة مدى الحياة ولتكريس التوريث .. إلخ، إلى العمل خلال العامين الأخيرين بموجب إعلانات دستورية، انتقالية ومكملة ولحماية الثورة، وحيث لم تتطابق مفردات هذه الفوضى الدستورية على مدى 130 عاما سوى فى الحرص على تثبيت دعائم السلطة الفردية المطلقة .. من «ولى النعم » إلى «الملك » إلى «رؤساء الجمهورية » ، حتى العودة أخيرا لما يشبه صلاحيات «الفرعون الإله » بعد دخول الدين فى السياسة، وإلى الحد الذى بدا معه المصريون وكأنهم قد استعذبوا «سادية » الانسحاق، للزعيم الأوحد، ذلك لطول ما مورست عليهم الديكتاتورية، ما يشجع كل حاكم جديد، مهما علا أو صغر شأنه، للسير على درب أسلافه «الأوتقراطيين ».



أما بإزاء الإعلان الدستورى الأخير 21 نوفمبر الحالى، الذى توغل بموجبه الرئيس على السلطة القضائية وإلى غيرها من مؤسسات الدولة، فإن مصر تبدو، بسببه، وكأنها على شفا صدام أهلى، لم يحدث حتى أثناء ثورة يناير، قد ينبئ بانقسام البلاد، ربما على غرار لبنان، بين فريقين – الموالاة والمعارضة – إذ يؤيد أولهما توسيع الرئيس (وجماعته ) لسلطاته على حساب السلطات الأخرى، فيما يتخوف معارضوه من تحولات غير ديمقراطية .. تشير إلى حتمية وقوعها .. التواء المقاصد الإخوانية نحو استبدال فرعون بآخر، مما سوف يدفع الجماهير لمساندة النخب الساعية للديمقراطية، لمواجهة ميليشيات الإخوان بعد عامين من صدامها الناجح من قبل أمام آلة القمع البوليسية، ولتنفى من ثم مقولة رائجة عن عجز قوى المعارضة المدنية بأطيافها المختلفة عن التوحد فى مواجهة الديكتاتورية الإخوانية الجديدة – باسم الدين – وهو منها براء، والتى تسللت إلى مفاصل الدولة فى غفلة من الزمن السابق الرديء، ما كانت لتصل إليها لولا الفراغ السياسى الناشئ عن الديكتاتوريات السابقة، ليملأه هواة السياسة الجدد ممن لا يقلون خواء عن سابقيهم .. فى خطابهم السياسى والأيديولوجى، الأمر الذى كشفت عنه مفردات القاموس السياسى للرئيس الجديد عبر كلمته إلى (أهله وعشيرته ) المتحلقين حول القصر الرئاسى تأييداً لإعلانه الدستورى المغلوط، إذ بدا فيه متلعثما غاضبا وديماجوجيا، كما كان كذوبا فيما وجهه إلى القضاة من اتهامات تمس شرفهم المهنى، ناهيك عن إفصاحه لنواياه فى العصف بمعارضيه بمنتهى الخفة السياسية التى قد تطيح بتهافتها .. ليس بالرئيس وحده، ولا بجماعته فحسب، بل بالوطن بأسره ما لم يثب وعشيرته إلى جادة الصواب .

ومن مفارقات السياق السابق، أن الرئيس المنوط به حماية الأمن والسلم الأهلى، أن يكون هو نفسه من يهددهما عبر فرمانات عبثية، متوهما تمريرها على غرار إعلانه الدستورى السابق 12 أغسطس الماضى، الذى مارس من خلاله سلطاته فى استبعاد الجيش عن العمل بالسياسة، الأمر الذى تقبلته الجماهير وقتئذ لطول يأسها من سيطرة المؤسسة العسكرية على سدة السلطة فى البلاد لستة عقود خلت، إلا أن ما تضمنه الإعلان الدستورى الأخير من توغل على سلطات الدولة الأخرى، يختلف فى الشكل والمضمون، عما قبلته جماهير الشعب قبل ثلاثة أشهر، إذ إن الرئيس اليوم يتجاوز اختصاصاته الدستورية، ليتحول إلى المستبد الجديد فى مصر .

شارك الخبر مع أصدقائك