المزايا المؤكدة لاتفاقية تسديد المدفوعات الجارية‮ ‬وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية‮ »‬2‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

يحيى المصرى

بعد الحرب العالمية الثانية كان الشغل الشاغل لكل دول العالم هو البحث عن طرق مختلفة لتسهيل سداد المدفوعات الجارية للخارج، وذلك في ضوء نقص أرصدة النقد الأجنبي وانخفاض الإنتاج القومي وارتفاع العجز في موازين المدفوعات الذي كان نتيجة احتياجات الدول المختلفة لسلع رأسمالية متزايدة من الخارج لإقامة المشروعات التي توقفت أثناء الحرب، ولإعادة الهيكلة الاقتصادية في أغلب دول العالم بعد انهيار عالمي دام أكثر من خمس سنوات.

ولا شك أن التعاون النقدي الإقليمي كان العامل الأول في تشجيع التبادل التجاري والخدمي بين دول العالم المختلفة، وذلك من خلال النظام النقدي العالمي والعلاقات النقدية الدولية بين المناطق النقدية التي نشأت بعد الحرب وكان من أولها اتحاد المدفوعات الأوروبي الذي نظم التحويلات النقدية بين الدول الأوروبية وأعادها إلي ما كانت عليه قبل الحرب، كما وضع الأسس الحديثة لتسهيل اجراء المدفوعات بين بعضها البعض والتي توقفت أيضاً أثناء الحرب، وبالتالي ساهم هذا الوضع في إعادة بناء أوروبا وقادها إلي الاتحاد الأوروبي الحالي.

ولقد قامت دول العالم الاخري بإنشاء تنظيمات نقدية إقليمية علي نمط اتحاد المدفوعات الأوروبي وتحذو حذوها في تسهيل التبادل التجاري وزيادته دون سداد نقدي، ودون مبالغة في تقييم المعاملات التجارية، أي عن طريق جديد ومناسب للدفع، وقد لجأت إلي هذه التنظيمات النقدية أغلب مناطق العالم في غالبية القارات، خاصة في أمريكا الجنوبية وفي أفريقيا ما عدا الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي كان مثار دهشة بين المنظمات الدولية العالمية، خاصة أن التبادل البيني بين هذه الدول كان منخفضاً إلي درجة كبيرة، بينما لم تكن هناك مؤشرات قومية ولا إقليمية لزيادة هذا التبادل مستقبلا، وهو ما لم يكن متناسباً مع التاريخ القومي الموحد لهذه الدول، وقد ساعد ذلك علي التشكيل الإنتاجي السلعي الضعيف داخل هذه الدول وتضخم الفقر فيها وانخفاض مستويات المعيشة.

وللإنصاف أقول إنه قامت محاولات عديدة للتعاون النقدي الإقليمي بين الدول العربية والإسلامية خلال الخمسين سنة الأخيرة، ولم يكتب لها النجاح حيث لم تتوفر الإرادة السياسية لإقامة هذا التعاون، وكانت هذه المحاولات تهدف إلي إنشاء منظمات وترتيبات دفع جماعية وثنائية تعمل علي تشجيع التبادل التجاري بين هذه الدول في ضوء تعاون نقدي وتنسيق اقتصادي وتجاري يساعد هذه الدول علي الخروج من المستنقعات الاقتصادية التي وقعت فيها أثناء الحرب العالمية الثانية. نتيجة غياب هذا التعاون واستعمارها مئات السنين قبل تلك الحرب.

وفي ضوء الاهتمام النظري والقانوني الذي قاده بعض خبراء الاقتصاد العرب لتوسيع التجارة البينية العربية عن طريق تقنين مشروعات لتسوية المدفوعات بين الدول العربية وتنمية المبادلات التجارية بينها والقضاء علي القيود النقدية والتجارية التي كانت تحول دون تحقيق هذا الهدف، تم اعداد اتفاقية »تسديد مدفوعات المعاملات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية« عام 1953، كما تم اعداد مشروع لانشاء اتحاد مدفوعات عربي في الستينيات وذلك لتحقيق نفس الهدف في تسهيل اجراء المدفوعات الجارية بين الدول العربية، بينما لم يتم تنفيذه أيضاً.

 وأخيراً أنشئ صندوق النقد العربي عام 1977 وحددت المادة الرابعة من اتفاقيته الأهداف التي يسعي إليها ومن أهمها كانت »تسوية المدفوعات الجارية بين الدول العربية الأعضاء وبما يعزز حركة المبادلات التجارية«، علي أن يكون هذا الهدف تمهيداً لتنفيذ اتحاد المدفوعات العربي الذي لم يتحقق حتي الآن. وضاعت كل هذه الخطوات أمام نخبة لا تهتم بصالح شعوبها ولا تنظر عملياً في تطوير اقتصادات بلادها، ودخل الجميع في دوامة سياسية لم نخرج منها حتي الآن ولم تعط الفرصة لإقامة تعاون نقدي إقليمي عربي مثل باقي مناطق العالم الأخري التي لم يثنها عن ذلك صعوبات فنية ولا خلافات داخلية ولا حتي انكباب في البحث عن مصالح خاصة سلطوية ومالية، وهو ما سوف يتبين من استعراض هذه الاتفاقيات.

ففي عام 1953 وقع مندوبو الدول العربية اتفاقية تسديد مدفوعات المعاملات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية، بينما لم يتم تنفيذها حتي الآن بالرغم من أنها كانت تعالج موضوعين رئيسيين: موضوع تسوية المدفوعات الناتجة عن المعاملات التجارية والخدمية بين البلدان العربية وموضوع انتقال رؤوس الأموال بين هذه البلدان.

ففيما يتعلق بتسوية المعاملات التجارية والجارية فإنه بموجب النصوص الواردة في الاتفاقية، يلتزم كل عضو بالتزامين هما: تسهيل تحويلات المعاملات الجارية إلي بقية الدول الأعضاء، ومنح هذه التحويلات أقصي ما يمكن من معاملة تفضيلية، وذلك في حدود أنظمة الرقابة علي النقد وأنظمة الاستيراد والتصدير السارية في كل من هذه الدول، حيث إن الاتفاقية لم تحاول أن تلزم أي عضو بإلغاء أنظمته الداخلية، ولكنها عالجت فقط الوضع الذي يؤدي في تطبيق الأنظمة إلي عرقلة سداد المعاملات الجارية بين الدول العربية.

لذلك فقد نصت الاتفاقية علي أن تتعهد الدولة المدينة بأن تمنح المقيمين في بقية الدول الأخري التسهيلات التالية علي الأقل:

– الحق في أن يستعملوا حسابهم الدائن لتسديد مدفوعات المعاملات الجارية المستحق دفعها للدولة المدينة ولتسديد جميع واردات البلد الذي يقيم فيه صاحب الحساب من الدولة المدينة.

– الحق في أن يحولوا جزءاً أو كل حسابهم الدائن إلي المقيمين في أي بلد من الدول الأعضاء أو دولة أخري يختارها صاحب الحساب.

– الحق في أن يستعملوا حسابهم الدائن لتسديد قيمة أي بضاعة يشترونها من البلد المدين بقصد تصديرها لأي بلد من الدول الأعضاء أو دولة أخري.

– إذا كان النظام المطبق في البلد المدين يفرض سداد قيمة أنواع معينة من البضائع بعملة أجنبية محددة فيحق لصاحب الحساب الدائن أن يسدد فقط بالعملة الأجنبية جزءاً من القيمة في حدود أفضل نسبة مقررة ويسدد الجزء الباقي في حساب البلد الدائن.

 ومضمون هذه التسهيلات انسياب المدفوعات الجارية بين الدول الأعضاء وعدم تجميدها لأي سبب من الأسباب، وبما يؤدي إلي انسياب حركة التجارة بينها دون توقف، وفيما يتعلق برؤوس الأموال فقد أجازت الاتفاقية انتقالها بين الدول الأعضاء للمشاركة في مشاريع الإنشاء والتنمية، وذلك في نطاق القواعد المقررة التي تضعها كل دولة لحماية رؤوس أموالها أو رؤوس الأموال التي انتقلت إليها من التسرب خارج البلاد العربية، وفي هذا الشأن قررت الاتفاقية التزامين علي عاتق الدول الأعضاء لتسهيل انتقال رؤوس الأموال إليها:

– عدم إخضاع رؤوس الأموال المحولة من أي بلد إلي بلد عضو آخر لأي رسوم أو أي ضرائب استثنائية تفرض للحيلولة دون ذلك الانتقال.

– سماح حكومة كل بلد لرؤوس الأموال العربية التي ترد إليها للعودة إلي موطنها الأصلي دون أي قيود.

ولا شك أن النقاط الرئيسية التي تضمنتها هذه الاتفاقية كانت مدروسة باهتمام من قبل أساتذة أفاضل رحمهم الله، وكان يمكن للدول العربية أن تستفيد بها لو تم التصديق عليها، ولكن للأسف أي من هذه الدول لم يقم بذلك حتي الآن.

ولم تكن هذه الاتفاقية هي المحاولة الوحيدة في محاولات تسهيل المدفوعات بين الدول العربية والإسلامية، بل تبعتها محاولات أخري من قبل المؤتمنين العرب الذين يضعون الصالح القومي والوطني فوق الصالح الشخصي والخاص.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »