المرجعيات السياسية العربية

شارك الخبر مع أصدقائك

د. عمار علي حسن:
 
بدلا من أن يبحث العرب في السنوات الأخيرة عن إطار فكري يحكم الحركة السياسية شغلتهم مسألة الهوية عما سواها، فصارت تساؤلات من قبيل «من نحن؟» تتقدم كثيرا علي نظيراتها من قبيل “ماذا نريد؟”. لا يعني هذا بالطبع أن الإجابة علي السؤال الأول ليست مهمة، لكن ما سبق يشدد علي أن الاستغراق في جدل حول الهوية، بما يؤدي إلي الإجحاف بقضايا أخري مهمة يبدو أمرا غير مستساغ في مجتمع يحاول أن يقطع شوطا علي درب التحديث. فالسير علي التوازي في حل المعضلات الفكرية والاجتماعية هو الأمر الطبيعي، الذي يفرضه الواقع المعاش، إذا لا يمكن في اللحظة التاريخية الواحدة أن يتم التعامل مع تلك المعضلات بشكل رأسي، بحيث نبدي اهتماما مبالغا فيه بإحداها ونهمل البقية، تحت ذرائع عدة، لا تمثل في نهاية المطاف سوي مصالح ومشارب فئة بعينها، خاصة مع انتشار الفساد السياسي والاجتماعي في مجتمعاتنا العربية، وظهور أنماط مشبوهة من التحالفات الاجتـــماعية التي لا تري سوي مصالحها الضيقة.

 
 وقد بات هناك اقتناع بأن أي رؤية لإصلاح سياسي عربي لا يمكن أن تتم بمعزل عما دار ويدور من أفكار وسلوكيات وأحداث في سياق أوسع، قد يمتد ليشمل المعمورة بأسرها. فالنخب السياسية والفكرية العربية لا تعمل في فراغ، بل تستمد بعض وجودها وتوجه جزءا من خطابها إلي نخب أخري تتواجد في بلاد شتي. والتحركات السياسية والدبلوماسية للعرب لا تتجه إلي مجهول وإنما لأمم وشعوب أخري. والتطور السياسي والاجتماعي الذاتي لا يعتمد علي العناصر المحلية فقط، بل يتأثر بما يجري في المحيط الأكبر. علاوة علي هذا فإن إغفال ما تراكم من تجارب وأفكار لدي “الآخر” يجعل بذل أدني مجهود في سبيل بناء أطر فكرية لمشروع إصلاح سياسي عملا منقوصا إلي حد كبير.
 
واستقراء خريطة الأطروحات الفكرية العربية الراهنة يشي بأن هناك حالة من التعددية في تصور ما يجب فعله لنغذ الحداثة الفكرية، ونفتح الباب أمام حركة التحديث المادي في شتي ضروب المعيشة. وهذه التعددية محمودة إذا كانت قائمة علي قاعدة من التسامح والرغبة الصادقة في الحوار والانفتاح، لكنها مذمومة إذا غلبها التعصب وادعاء الصواب وصولا إلي الزعم باحتكار الحقيقة. والتسامح والحوار لا يعني النزول عما هو معتقد فيه أو يظن أصحابه أنه الأفضل، فلن يضير المجتمع أن تخلص كل فئة لأفكارها، أو كل حزب سياسي لبرنامجه المعلن، ما دام هناك استعداد لسماع الآخر، وهناك قواعد سياسية واجتماعية مرعية تسمح بتنصيب من لديه شرعية ديمقراطية، أو حتي شرعية تقليدية، حظيت ببيعة عامة أو موافقة، مثل الحال في كثير من المجتمعات، التي لم تقطع شوطا ملموسا علي درب التحديث السياسي، شريطة أن تكون هناك نزاهة وشفافية، وإجراءات مستمرة نحو صيغة أكثر ديمقراطية.
 
وهنا تظهر الحالة السيئة التي عليها العرب. ففي المبتدأ لا يوجد تنظير سياسي حقيقي، بقدر ما هو نقل مشوه، يصل أحيانا إلي حد الاجترار الأعمي، لما أنتجته قرائح أخري. وفي الخبر لا توجد ممارسة تقوم علي الحوار والتسامح والإيمان بتلاقح الأفكار ووجود نقاط التقاء بين التيارات الاجتماعية، تفرضها التحديات والقضايا المشتركة، ناهيك عن المعين والمصير المتشابه، أو الواحد كما يعتقد البعض. ويغذي التاريخ هذه الانغلاقية، فمن قبائل متناحرة تدعي كل منها أنها الأكثر شرفا ومهابة وأحقية في السيادة، إلي فرق متقاتلة تزعم كل منها أنها “الناجية”، وصولا إلي أحزاب شكلية ليس بينها حوار سياسي حقيقي والتزام بقواعد ممارسة عادلة وشريفة، وسلطة مستبدة تحتكر توزيع الأشياء المادية والمعنوية.
 
لا يعني هذا أن الصورة قاتمة علي الدوام، فهناك فترات انقطاع في التاريخ العربي ـ الإسلامي، ساد فيها العدل والإيمان بالاجتهاد، وعلي الدوام ظل المجتمع حيا في رفضه لتردي الأحوال وسعيه للاستيقاظ من حالة السبات، مدفوعا بما في النص الديني من دعوة للأخذ بأسباب القوة، والتكافل الاجتماعي، ومقاومة السلطان الجائر، وانتهاج الحكمة والموعظة الحسنة سبيلا لجذب الأتباع وتجنيد الأنصار. لكن هذا التيار بقي دائما في حالة انكماش لم يتمدد إلا بالقدر الذي يحافظ، إلي حد ما، علي نواة الرغبة في الخروج من نفق التاريخ إلي براح التقدم والرقي، سواء بإصلاح ديني واجتماعي، أو باستلهام فترة المنعة والقوة التي مر بها العالم الإسلامي.
 
واستمر هذا الانكماش قرونا حتي وجد العرب أنفسهم موزعين في القرن العشرين علي أيديولوجيات شتي. فهناك حركة “الإحياء الديني” التي شملت نسيجا عريضا يمتد من الصوفي الانكفائي إلي الراديكالي الذي يتخذ العنف سبيلا لتغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة. وهناك حركة “اليسار” حيث المعتنقين للاشتراكية بمختلف ألوانها، ابتداء من الماركسية إلي الاشتراكية الاعتدالية. وهناك تيار “اليمين” الذي تحمس لليبرالية بشكلها الغربي. وأفرزت البيئة العربية أيديولوجيات خاصة بها، في مقدمتها “الناصرية” و”البعثية”. ولم تقف حدود جامدة بين هذه الأيديولوجيات، إنما كانت، ولا تزال، هناك حالة من التفاعل والتلاقي بينها، لكن هذا يتم علي استحياء وعبر فئات وجهات محدودة. وقد أفرز هذا التفاعل، الذي لم يخل من تلفيق، رؤي مثل “اليسار الإسلامي” أو “الإسلام الليبرالي”، وتقابل أغلب الأطروحات عند نقطة “التيار القومي”، في حوار بين العروبة والإسلام، من جهة، وفكرة “الاشتراكية العربية” من جهة ثانية. لكن الوضع الذي آلت إليه الأمور يظهر أن أي من هذه الأيديولوجيات لم يمتلك النجاعة الكافية لينهض بالواقع، أو أن الفجوة التي كانت بين الفكر والممارسة ظلت من الاتساع بما حال دون توافر “مشروع فكري” قادر علي التصدي للمعضلات التي واجهها العرب علي مدار القرنين الماضيين. وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان علي الأطروحات الأولي لرواد “التنوير في مصر والشام، لا تزال القضايا التي أثاروها محل نقاش، ويعاد اجترارها وإنتاجها، وكأن السنين تمر بالعقل العربي دون أن يراكم نفعا فكريا يمكنه من إجابة التساؤلات العديدة المطروحة حاليا بشدة، وحل المعضلات التي تعوق الخروج من إسار الماضوية، والتي تجعل التيارات الفكرية العربية كافة سلفية في رؤيتها، رغم ادعاء بعضها مواكبته لمتطلبات العصر في أطروحاتها وممارساتها.
 
فالحياة الفكرية العربية لا تزال مشحونة بالثنائيات “المتقابلة”، والتي لم تبذل جهود كافية للتوفيق بينها، بما يوفر قاعدة للانطلاق إلي ما بعدها من قضايا. فلا نزال نتحدث عن القطرية/ الوحدة، الدولة/ الأمة، الديني/ المدني، الأصالة/ المعاصرة، الفرد/ المؤسسة، النص/ الممارسة… الخ وهذا التقابل لا يكمن في جوهر هذه المسائل، بقدر ما يتجسد في إدراكنا نحن لها، أو تعاملنا معها علي أساس منطق “إما… أو”، ولا يزال الكثيرون من العرب ممزقين بين ميول عاطفية وتحيزات فكرية عديدة في آن واحد، وكأن الأمور لا توجد إلا في شكل مفارقات أو متضادات. وزاد الأمر تعقيدا أن هذه الثنائيات تماهت في سياقات أخري، حيث باتت تناقش في إطار أوسع يرتبط بأيديولوجيات عديدة عرفها العالم العربي.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »