شريف عطية

المدين لا يسبق الدائن

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية 
 
يجيء الصمت غير المألوف الذي صاحب عقد وانفضاض القمة الفرانكفونية الثالثة عشرة في مونترو- سويسرا 23- 24 أكتوبر الحالي، لتضفي المزيد من التساؤلات بشأن ارتباك السياسة الفرنسية الآخذة في الانحسار علي الصعيدين الداخلي والخارجي، سواء بالنسبة للاضرابات النقابية عن العمل.. والمظاهرات شبه المليونية التي عمت الشوارع احتجاجاً علي سياسات وقوانين داخلية أو بالنسبة للأعباء التي تتراكم باطراد علي عاتق الدبلوماسية الفرنسية من حيث مواجهة التهديدات الإرهابية التي تدق أبواب فرنسا إلي اختطاف رعاية فرنسيين في بلاد المغرب الإسلامي، ومن مواصلة مهام إنسانية في تاهيتي إلي مواجهة تحديات عدم الاستقرار في لبنان وشرق البحر المتوسط، ومن الفوضي في القرن الافريقي التي تهدد النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية عموما إلي تعقيدات مشاركتها في مسرح العمليات في أفغانستان، ناهيك عن ارتباك مساهماتها التقليدية في بلدان المغرب العربي وفي منطقة الخليج من البصرة إلي مسقط أو في الإطار الأوروبي- المتوسطي، وهو ما يؤكد في أقل تقدير عدم اكتراث رسمي للضغوط الشعبية أو للتحديات الخارجية علي حد سواء.

 
نعم، قد تكون المتغيرات التي طرأت علي العالم اثر انتهاء الحرب الباردة وسقوط الثنائية القطبية، من العوامل الأساسية التي قوضت الدعائم التي سبق أن أرسي قواعدها الزعماء الملهمون بالنسبة للعلاقة الفرنسية- العربية منذ ما يزيد علي نصف قرن، لتقتصر اليوم علي الحد الأدني من التواصل… المشوب بالريبة والحذر المتبادل بينهما، إذ يتماهي الجانب العربي مع السياسات الأمريكية طوعاً أو كرهاً، فيما يعرف اللاعبون الفرنسيون »الجدد«.. قواعد هذه اللعبة الأمريكية العربية حتي النهاية، مما يضاعف من صعوبة الحوار الفرنسي- العربي بين بعضهما البعض، حيث مرد ّذلك علي الأرجح.. لخشيتهما المشتركة، كل لأسبابه، من تهميش دور فرنسا في المنافسة بين الدول العظمي.. كذا من استبعاد العرب من لعبة الأمم.

 
إلي السياق السابق، يقول وزير الخارجية الفرنسي الأسبق »هوبير فيدرين« ما مفاده أن الحنين إلي الماضي لم يعد مجدياً مع عالم مختلف.. انقلبت فيه أحوال وموازين كل من يفكر في تحدي هذا الواقع الجديد، الذي تتجه فيه أوروبا إلي المشرق والوسط علي حساب الجنوب »المتوسطي«، ذلك برغم المبادرة الفرنسية التي أطلقت »الاتحاد من أجل المتوسط« عام 2007، إذ يتعثر منذئذ في متاهة سنوات ضائعة، ما بين توقف اجتماعات له في اللحظة الأخيرة.. آخرها القمة المتوسطية نوفمبر المقبل، أو عبر مبادرات واعدة لا تتحقق لجهة عقد مؤتمر سلام في باريس بشأن المسألة الفلسطينية، التي من الصعب فرض الاستقرار في الشرق الأوسط دون تسويتها.
 
ولما كان إحياء الوصل العربي- الفرنسي.. يحتاج إلي مساعٍ مشتركة من الجانبين، إلا أن المطلوب من باريس.. لما لها من مقومات الحركة والقدرة علي المناورة الدولية والإقليمية.. ولكونها غير مقيدة تماماً، كالعالم العربي، بالموقف الأمريكي، أن تبذل جهداً أكبر، مما يتيسر للجانب العربي في دعم دور »الوصلة« بينهما، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً علي الإسراع بإيقاع السلام في المنطقة.. من خلال دعوة كل من الاتحادين الأوروبي والمتوسطي للإسهام في اقراره، ذلك علي النحو الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي آخر سبتمبر الماضي، وحيث انتقد في الوقت ذاته.. انفراد الأمريكيين بالإشراف علي عملية التسوية السلمية، إلا أنها مجرد تصريحات سرعان ما تتبدد دون تغيير في المواقف الاسرائيلية أو الأمريكية.
 
فإذا كانت فرنسا تواجه اليوم مشاكل اقتصادية واجتماعية.. تسعي لمعالجتها، وإن كانت تتطلع لإعادة تنشيط كيانها الوطني والسياسي والثقافي، فلا يجب أن تتناقض سلوكياتها مع طموحاتها، وإلا سبق المدين الدائن.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »