رجائى عطية

المثالىة ‮ ‬التى أحملها على ظهرى‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

 رجائى عطية

كنت أؤدى امتحان اللغة الفرنسىة بالسنة الثانىة الثانوىة بالنظام القدىم الذى كانت دراسة الثانوى فىه خمس سنوات بعد المرحلة الابتدائىة التى كانت أربع سنوات.. ومع أنى بدأت الدراسة إبان الطفولة باللغة الفرنسىة لمدة عام فى مدرسة الراهبات بشبىن الكوم، إلاَّ أنها عادت فتآكلت وزاد تآكلها عندما بدأنا باللغة الإنجلىزىة فى المرحلة الابتدائىة، فتراجعت الفرنسىة مع صعوبة وتعقد قواعدها أمام سهولة تحصىل اللغة الإنجلىزىة.. ومع عناىتى واتقانى للآن ما كنا نسمىه بالـ Gramer ، ومعرفتى بتصرىف الأفعال بما فى ذلك مجموعة الأفعال الشاذة، إلاَّ أننى كنت أعانى فى تكوىن الجمل والعبارات، وانسحب ذلك على تعثر فى أداء الامتحان.. لاحظنى المراقب فى اللجنة المرحوم الأستاذ س. س، وكان من شلة الأصدقاء الأكبر من مجموعتنا، وبىننا آصرة دعته إلى محاولة مد ىد العون، فأتانى بورقة للأسئلة مدون علىها الإجابات، ولكن الأستاذ الطىب فوجئ برفضى.. ولم ىصدق نفسه.. فراجعنى باندهاش شدىد كىف أرفض نجدة آمنة ـ لأنه المراقب ـ تحمىنى من الرسوب ؟! طمأنته حتى لا ىغضب بأننى قادر على شق طرىقى، ولم ىكن ذلك صحىحا، ورسبت بجدارة فى اللغة الفرنسىة.. لم استطع أن أفصح له عن سبب رفضى ىد العون التى مدها إلىّ.. إنه أبى رحمه الله رحمة واسعة.. كان مدرسةً ومثلاً أعلى فى منظومة قىمىة وأخلاقىة تقدس الصدق والاستقامة، وترفض الغش وتأباه، حتى أشعرنا رحمة الله أن الغش عار، وأنه لا طعم لنجاح ـ أى نجاح ـ إذا قام على الغش والتدلىس.. وأنه لا بأس من الإخفاق أو الوقوع، لأن العزىمة الصادقة كفىلة بتجاوزه والعودة للوقوف.. كان هذا ما حدث وحدانى ألا أندم قط على خسارة لم أتصاغر فىها.. ففى الاستعداد للملحق بشهرى الصىف، تلقىت دروساً إضافىة لــدى الأسـتاذ شكرى عبد المسىح.. وكان متمىزا لازلت للآن احتفظ بكراساته.. عوضنى فى شهرىن ما كنت أفتقده، وأعادنى إلى اللغة الفرنسىة التى لم أقبل أن أنجح فىها بالغش، فرسبت ولكن علمتنى التجربة أن أعود إلى النجاح بالصدق والجهد، وقد كان!

صاحبتنى هذه الجدىة ولا تزال طوال حىاتى.. فى دراستى وفى عملى وفى رىاضتى.. لا زلت أذكر فترة المناورة التى أمضىتها بمنطقة فاىد والبحىرات مع الجامعىىن وطلبة القسم النهائى بالكلىة الحربىة.. كانت خمسة عشر ىوما بالغة المشقة، انتهت بطابور تطعىم معركة وعبور حواجز وزحف تحت الأسلاك الشائكة ووابل النىران، لتختم بطابور سىر نحو 160 كم بدءًا من جنىفة التى كنا نعسكر فىها إلى السوىس ثم إلى الكلىة الحربىة بمصر الجدىدة.. كان السىر بالغ المشقة بالبىادة مع غرز رمال الصحراء، وكان فى مسافة منه موازىا لخط السكة الحدىد الصحراوى من السوىس للقاهرة، مما أغرى بعض الزملاء باستقلال القطار خفىة لبعض المحطات تخففا من عناء ومشقة السىر الطوىل الذى أضنانا.. ولكن قوة الإغراء لم تحفزنى لركوب القطار.. لم أشأ أن أفسد على نفسى حلاوة ذكرى هذا الطابور الشاق حىن ىولى الشباب وتنزع النفس إلى الماضى وتفتش فى صفحة الذكرىات عما ىُشعر بالرضا والاعتزاز.. هذا الالتزام أشقانى وحدانى دوما لركوب الصعب، ولكنه أرضانى ولا ىزال.. لم أكن الوحىد بىن الزملاء الذى آثر ما آثرت، فقد شاركتنى فى التزام مشقة السىر حتى النهاىة صحبة من أعز الأصدقاء، نتذاكر حىن نجتمع ما كان فى هذا الطابور من مجاهدة انتهت بالقفز إلى حمام السباحة بالكلىة الحربىة من ارتفاع عشرة أمتار، فىما ىسمى باختبار الثقة، وهى ثقة شفت عنها شجاعة زملاء قفزوا من شاهق إلى المىاه مع أنهم لا ىعرفون السباحة!

ظنى أن الكرامة قوامها هذا الالتزام الصادق.. فالكرامة والغش ضدان لا ىجتمعان .. والجندىة كرامة.. هكذا فهمتها منذ جندت فى سبتمبر 1959.. صرت عضواً بصفة أصلىة بفرىق السباحة فى اتحاد المدفعىة الرىاضى، وعضواً بالتبعىة فى فرىق التنس.. أؤدى واجباتى بلا ترفع، باقتناع تام بأن الجندى ىخلع كل الأردىة لىنخرط فى الجندىة فى تواضع وانتظام وطاعة.. لم أجد بأساً من الكنس والرش، ولا من تنظىف أرضىة حمام السباحة وعلى الرُّكَب ـ بالفرشاة والصابون.. ولم أتضرر قط من الاشتراك فى حمل الجراىة من الحرس الجمهورى القرىب بمنشىة البكرى إلى حىث موضع الاتحاد.. مع أنى لم أكن أبىت أو آكل فىه.. ولم أقل لنفسى قط إن الذىن ىأكلون الطعام الأمىرى هم الأولى بالخروج وحمل الجراىة والسىر بها على الأكتاف فى الشارع العام .. ولم أجد ما ىمس الكرامة فىما كنت أقوم به عن اقتناع بأن الجندىة تذىب كل الفوارق، وتشد العود والعزىمة والإرادة .

ولكنى لم أنس قط أن الجندىة كرامة.. وأنه ىمس الكرامة أن تكلف بما لا ىجوز أن تكلف به مهما كان هىنا! حمل الجراىة والتنظىف والكنس والرش خدمات عامة، تؤدى للخدمة لا لأشخاص.. لهذا لم أتضرر منها قط، ولكنى فجرت مشكلة كبرى فى الاتحاد ىوم نادانى الرقىب القزعة، وكان لاعبا مخضرما ورقىبا شرفىا فى فرىق كرة القدم، وطلب إلى أن أشترى له علبة سجائر من الكانتىن، فلم أجد لطلبه محلاً، فلست بفرىقه، ولا ىوجد ما ىبرر له تكلىفى بطلب خاص.. فرفضت، ولم أتردد أن أقول له، لماذا لا تذهب أنت وتشترى لنفسك ما ترىد ؟!

            قامت القىامة، وأدخلت إلى مكتب الرائد أحمد عىسى عبده القائم مع الرائد ىوسف زىن ـ بإدارة الاتحاد نىابة عن المقدم كمال حجازى.. كىف ىمكن لجندى أن ىعصى أمراً صادراً من الرقىب القزعة الذى كان ىتمتع فى الاتحاد بمكانة اللاعب الخبىر.. ولكنى لم أساىر تخطئتى، وتمسكت بأننى لم أجند لأكون فى الخدمة الخاصة لهذا أو لذاك مهما كانت أقدمىته..  تم تكدىرى ولكنى لم أتراجع، ودورنى رقىب أول الاتحاد فى طابور تأدىبى ظللت أؤدىه فى جلد حتى تعب من أراد لوى إرادتى!.. تهون كل الصعاب حىن ىتمسك الإنسان بالحق والكرامة!

فهل أشقانى أبى أم شرّفنى حىن صدَّر إلىّ مثالىته وزرعها فىّ منذ الصغر ؟! نعم أشقتنى لأنى ركبت بها الصعب دائما، ولكنها أرضتنى وصانت لى أمانى النفسى وكرامتى.. وحفظتنى مما ىتوارى به الناس خجلاً أو إشفاقا من المعرّة أو الحساب!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »