استثمار

المال طرحت السؤال ومحمود محيى الدين يجيب: ما العمل؟!

❐ نقل تحصيل وجزء من إيرادات بعض أنواع الضرائب للمحافظات ضرورى.. وكذلك استخدام الأصول غير المستغلة ❐ ضرورة إنشاء مراكز صناعية وخدمية لكل تجمع سكانى يتراوح بين 200 و 250 ألف نسمة ❐ تجربة تايلاند تبرهن على أن إصلاح قطاعى…

شارك الخبر مع أصدقائك

❐ نقل تحصيل وجزء من إيرادات بعض أنواع الضرائب للمحافظات ضرورى.. وكذلك استخدام الأصول غير المستغلة
❐ ضرورة إنشاء مراكز صناعية وخدمية لكل تجمع سكانى يتراوح بين 200 و 250 ألف نسمة

❐ تجربة تايلاند تبرهن على أن إصلاح قطاعى الصحة والتعليم لا يحتاجان لسنوات طويلة
❐ المواطن البسيط يفضل توفير فرصة عمل لابنه على زيادة راتبه %10
❐ جهود الدولة فى مجال إنشاء شبكة الطرق هائلة.. يتبقى أن تسير عليها وسائل نقل مريحة بتكلفة مناسبة
❐ تأجير العقارات والجراجات يجب أن تصبح إحدى الموارد المهمة للمدن الإقليمية
❐ تقسيم «السيادى» إلى اثنين هو الأفضل
ـ صندوق لإدارة أصول الدولة.. مع طرح جزء من أسهمها بالبورصة
ـ صندوق للاستثمار داخل وخارج الحدود.. يشكل أحد عناصر قوة مصر الناعمة ويلعب دوراً فى إدارة الأصول الأجنبية
❐ الفائدة المرتفعة لا تشكل أحياناً عائقاً أمام المستثمر إذا ما كانت توقعاته لمستوى الأسعار فى المستقبل ملائمة
❐ ضعف الشمول المالى يقيد فاعلية استخدام أدوات السياسة النقدية لتحقيق أهدافها المختلفة

حازم شريف

فى حوار خاص مع جريدة المال، طرح الدكتور محمود محيى الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولى، مجموعة من الأفكار والتصورات، لمواجهة تداعيات ما قامت به الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية من إجراءات ضمن برنامجها للإصلاح الاقتصادى.

فضل محيى الدين، بل أصر على تجنب الحديث حول تقييمه لما تم من إجراءات، وذلك لحساسية منصبه، كما أوضح بالتفصيل. ولكنه فى الوقت نفسه لم يبخل بالإجابة عن أسئلة متعددة، تتعلق بكيفية العمل فى الوقت الراهن والمستقبل على تحقيق المرجو من الإصلاح، وتخفيف آثاره التضخمية وغيرها، على الشرائح الاجتماعية المختلفة والاقتصاد بوجه عام.

واختص النائب الأول لرئيس البنك الدولى، السياسة المالية وآلياتها المختلفة بالحصة الكبرى من المقترحات، فى ظل ضعف فاعلية أدوات السياسة النقدية، مع محدودية نسبة الشمول المالى فى المجتمع.

كما تطرق محيى الدين إلى سبل تطوير القطاعات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والنقل، وتحقيق التنمية فى المحافظات وغيرها من النقاط المهمة، نترك تفاصيلها لنص الحوار:

● «المال»: دعنى أبدأ بسؤال عن تقييمك لما اتخذته مصر حتى الآن من خطوات ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادى؟

– محمود محيى الدين: فيما يتعلق بتقييم البرنامج أحيلك لتقريرين، أحدهما أصدره البنك الدولى فى شهر أبريل الماضى، أعقبه فى مايو الثانى، وأخرجه صندوق النقد الدولى، أما فيما يتعلق بتقييمى، فأرجو أن تعفينى منه، بحكم كونى مقيدا فى ذلك مرتين، الأولى أن مهام منصبى لا تشمل دراسة حالة مصر، والثانية أننى أعمل بمؤسسة، تقوم بدراسة مصر، وتصدر تقارير بشأنها، كما تفعل مع الدول الأخرى.

● «المال»: وكيف نخرج أنا وأنت من هذا المأزق؟
– محمود محيى الدين: دعنا ننطلق من نقطة أساسية، هى أن هناك إجراءات ضرورية بالفعل تم اتخاذها، بهدف إصلاح اختلالات فى الوضع الاقتصادى الكلى، تشمل مشكلات الموازنة العامة، وميزان المدفوعات، وسعر الصرف وغيرها، وأن تداعيات هذه الإجراءات لم تكن مفاجأة، فمن المعروف ان بعض القرارات يتبعها آثار محددة ولفترة معينة، فسواء تحولت فى مصر أو فى غيرها من ضريبة المبيعات للقيمة المضافة، فإنك ستجنى ارتفاعا لبعض الوقت فى معدلات التضخم، نفس الأمر ينطبق على تخفيض دعم الطاقة وعدد من السلع الأساسية، وعلى تعويم الجنيه حتى تنضبط سوق الصرف بالكامل، باختصار الحديث عن الآثار التضخمية، كثير فى هذا السياق.

● «المال»: وكيف نعالج هذه الآثار؟

– محمود محيى الدين: هناك سلسلة من الإجراءات اصطلح على تسميتها، بالسياسات المالية والنقدية الحصيفة، تستهدف احتواء العوامل التى قد تدفع معدل التضخم للارتفاع بدرجة أكبر، علما بأننا قد شهدنا نوعًا من الانخفاض فى معدله الشهرى، فى مارس وابريل الماضيين. وفى إطار ذلك كله، ينبغى اتخاذ مجموعة تدابير، تؤدى لرفع الأجور الحقيقية للعاملين عبر الوقت، والابتعاد عن الزيادات الجماعية الشكلية، التى لا يقابلها إنتاجية أعلى، وتنعكس فى صعود أسعار السلع والخدمات مرة أخرى، ومن ثم يبقى أثرها الفعلى محدودًا.

● «المال»: وما تلك السياسات الحصيفة؟

– محمود محيى الدين: أولا مراجعة تقييمات الأداء للعاملين فى الأنشطة الاقتصادية المختلفة بكل من الدولة والقطاع الخاص، وذلك وفقا للإنتاجية، ومساهمة كل عامل، على ان يتم زيادة الأجور وفقا لها، وليس بنسب متساوية للجميع، وثانيًا ضرورة عمل نقلة فى الاستثمارات فى المناطق الريفية وشبه الحضرية، والتى عانت تاريخيا من غيابها، وانخفاض مستوى الدخول.

● «المال»: وما علاقة ذلك بمواجهة التضخم فى الوقت الحالى؟ ومن ذلك الشخص الذى قد يرغب فى الاستثمار حاليا، فى ظل معدلات الفائدة المرتفعة، وفى تلك المناطق التى تقاعست الدولة اصلا عن الاستثمار فيها منذ عقود؟

– محمود محيى الدين: ردا على الشق الأول من سؤالك، لو ذهبت الى مواطن متواضع الدخل فى الريف، وخيرته بين زيادة راتبه بنسبة %10 او توفير فرصة عمل لابنه، سيختار قطعا الأمر الثانى، ليس فقط من باب إيثاره لولده الشاب على نفسه، ولكن لأن ذلك سينعكس على رفع مستوى الدخل بدرجة اكبر للاسرة بأكملها، والسؤال كيف يتم ذلك؟ الفكرة بسيطة جدا، وتتلخص فى إنشاء مركز صناعى أو مركز خدمى لكل تجمع ذى كثافة سكانية تبلغ 200 أو 250 ألف نسمة، وبصفة خاصة بالمناطق الريفية وشبه الحضارية، ويحقق ذلك الاستفادة من إحدى المزايا المهدرة للكثافات السكانية العالية فى بلدنا، فلدينا عدد من المحافظات يتجاوز تعدادها 5 ملايين نسمة، وكذلك مجموعة من المراكز يتخطى قاطنوها المليون نسمة كإمبابة على سبيل المثال.

● «المال»: ما طبيعة عمل هذه المراكز، ومن سيتحمل تكلفة تأسيسها؟

– محمود محيى الدين: مناطق استثمارية، تماثل المناطق الحرة الموجودة بالقانون، ومن الممكن ان تتيح الدولة الأراضى مرفّقة، او ان تطرح مهمة الترفيق على المطورين، وميزة هذه المناطق، أن مرحلة إنشائها وترفيقها وتسويرها، تتيح فرصا للتشغيل على الفور سواء للأيدى العاملة أو لموردى مواد البناء وغيرها، وذلك بخلاف فرص العمل الدائمة المتصاعدة، مع بدء دخول الأستثمارات فى المشرعات المختلفة إليها. وتماثل هذه المناطق، ما اعلن عنه من مناطق مؤخرا فى ميت غمر، وعزبة نجيب بالقرب من بنها.
ونقطة الانطلاق هنا ينبغى أن تأتى من الجهة المعنية وهى وزارة الاستثمار، بالعمل على وضع خريطة بهذه التجمعات السكنية، وخطة لتأسيس هذه المناطق. آما فيما يتعلق بسؤالك حول صعوبة جذب مستثمرين فى هذه المرحلة، فردى يتمثل فى شقين، الأول أن أى مستثمر يرغب فى اضافة توسعات فى الوقت الحالى، لن يمثل سعر الفائدة عائقا له، والثانى أن حتى هؤلاء الذين يفكرون فى إقامة مشروعات جديدة، فإنهم ينظرون بشكل اساسى لمسار سعر الفائدة والأسعار فى المستقبل،وأؤكد ان اقامة هذه التجمعات، ستوفر فرص عمل جديدة، ترفع دخل الأسر، وتعينها على مجابهة التضخم.

● «المال»: وهل من شأن هذه الخطوة فقط أن تحل المشكلة؟

– محمود محيى الدين: على مستوى مشكلة التضخم، عرف العالم كيفية التعامل مع الفئات شديدة الانخفاض فى الدخل، ومحدودة الدخل، ولاحظ ان المصطلح الأخير غير دقيق، فمن الممكن ان تكون ميسور الحال، ولكن دخلك محدود سنويا، فى ظل ارتفاع اسعار ما عليك من التزامات، بالنسبة للفئة شديدة الانخفاض فى الدخل، يتعين على الحكومة، أن توفر لها نظاما للدعم، سواء «عينى» أو «نقدى»، كتكافل وكرامة اللذين تشرف عليهما وزارة التضامن الاجتماعى، وتعمل على تطويره وزيادة كفاءته مع الوقت. التحدى الأكبر يخص كيفية التعامل مع الفئات متوسطة الدخل، التى يطلق عليها البعض الطبقة الوسطى، ويحارالاقتصاديون والحكومات عادة فى ايجاد اجراءات مناسبة، تعينهم على الأقل فى الحفاظ على مستواهم المعيشى، دون تدهور. ولاحظ أنك ترغب فى مساندتهم، فى ظل تواضع منظومة التأمينات الاجتماعية المساندة فى مصر.

● «المال»: وما العمل؟

– محمود محيى الدين: فى إطار هذه المعطيات، وأتحدث هنا عن مختلف الشرائح الاجتماعية السابقة، عليك أن تنظر لبنود الإنفاق الرئيسية فى ميزانية الأسرة، وتتمثل فى التعليم والرعاية الصحية والنقل، وتعمل على تخفيض هذه المصروفات بالتوازى، مع تحسين الدخل فى نفس الوقت.

● «المال»: ولكن هناك من المسئولين من يردد أن العمل على تحسين وتخفيض تكلفة بعض هذه البنود الأساسية، يحتاج الكثير من الوقت ومن ثم ينبغى تأجيله؟

– محمود محيى الدين: إذا كان ذلك هو التصور، فالأولى أن نعمل على هذه المجالات فورا، لا أن نرجئها لعدة سنوات، ثم إن هذه الفرضية فى حد ذاتها «احتياج تحسين جودة وتكلفة الخدمة بهذه القطاعات لوقت طويل» غير صحيحة، وعلى الأقل ليست صحيحة على إطلاقها.

ودعنى أبدأ ببند النقل الذى يحسب فيه للدولة، تأسيسها مؤخرا لشبكة من الطرق الجيدة، وأرى فيما تم وما يتم من جهود نقلة كبيرة فى هذا المجال، وبصراحة انا اكثر سعادة بشبكة الطرق التى يتم تعبيدها حاليا بين المحافظات، عن الطرق الدولية والاقليمية التى لا خلاف ايضا على أهميتها. يتبقى فقط أن تسير على هذه الشبكة، وسائل نقل جماعى لائقة بتكلفة مناسبة، تيسر حياة المواطن الذى كان يدفع سعرا أعلى، ويقضى فى رحلته وقتا أطول.

فيما يتعلق ببند الرعاية الصحية، فى حدود علمى، أنه يجرى حاليا، مراجعة لنظام التأمين الصحى الشامل، ولكن ينبغى أيضًا أن يتم الآن- وليس غدًا- استدعاء جميع شركات التأمين، من جانب الوزارات المعنية، وليست وزارة واحدة، للنظر فى نظم التأمين التكميلى.

● «المال»: ولكن البعض يقول ايضا، ان تأسيس نظامين فاعلين للتأمين الصحى الشامل والتكميلى مسألة تستغرق سنوات طويلة؟

– محمود محيى الدين: غير حقيقى. خذ عندك تجربة دولة كتايلاند، التى استطاعت فى وقت وجيز، أن تؤسس نظام تأمين صحى شامل، مشابه للمطبق فى اليابان، والمعروف باسم «Universal Healthy Insurance Of Japan» والذى يعد الأفضل على مستوى العالم، علما بأن عدد سكان تايلاند ليس صغيرًا- يقترب من 70 مليون نسمة-، وأصبح الناس يتوافدون الآن عليها للسياحة العلاجية، بجانب الأنواع الأخرى من السياحة. وبالمناسبة فإن هؤلاء الوافدين يحصلون على ذات الخدمة التى يحصل عليها المواطنون، من خلال نفس المستشفيات والأطباء وأطقم التمريض، ولكن بأسعار أعلى، ولكن فى نفس الوقت تنافسية، مع المقاصد البديلة. مرة أخرى نظام مثل هذا يمكن بل وينبغى أن نبدأ فيه الآن.

● «المال»: هل ينطبق نفس الأمر على التعليم؟
– محمود محيى الدين: بداية نحن ندرك أن هناك نموًا سكانيًا كبيرًا، وأنه لن يتباطأ، إلا مع تسارع معدلات النمو، وحركة التنمية، وتعليم المرأة، وعملية التحضر داخل المجتمع. وإلى أن يحدث ذلك مستقبلا، ستتزايد الضغوط على العديد من القطاعات فى مقدمتها التعليم. وقد سمعنا عبر السنوات الماضية عن أفكار ورؤى ونماذج لتطويره. خذ أى نموذج منها وطبقه، وبما يسمح أيضا، بتوافر مجموعة من المدارس النموذجية بكل مركز.

● «المال»: هل تعنى بذلك، تطوير المنظومة العامة للتعليم، مع إضافة منظومة أخرى أكثر تطورًا على التوازى؟

– محمود محيى الدين: لا فى حقيقة الأمر انت تزاول مهمتين معا، وسأعود بك لموضوع الصحة، الذى من المفترض فيه ان تقوم بمراجعة كاملة لنظام التأمين الصحى الشامل، الذى سيتاح الاستفاده منه لجميع المواطنين، وتعمل فى نفس الوقت على إضافة تأمين تكميلى، يكون مًتاحًا لشرائح اجتماعية، قد ترغب فى الحصول على خدمات أكثر تميزا، مقابل زيادة فيما تدفعه من أقساط. الأمر ذاته ينطبق على التعليم، سيتعين أن تطور نظاما للتعليم الأساسى المدعوم من الدولة، وبجانبه آخر تكميلى، يتيح مساهمة أكبر للمواطن. وحتى لا أنسى، وبعيدا عن القطاعات السابقة، علىّ أن اشيد بهمة الدولة فى مجال الإسكان الاجتماعى، والذى يعد من افضل البرامج التى تقوم بها فى الفترة الماضية، على الأقل من وجهة نظر مؤسسة البنك الدولى.

● «المال»: هل الدور الأكبر فى مجابهة تداعيات برنامج الإصلاح الأقتصادى يقع على عاتق السياسات المالية ام النقدية؟

– محمود محيى الدين: فيما يتعلق بالسياسة المالية، هناك بالفعل برنامج أعلنت عنه الحكومة تستهدف من خلاله، زيادة الإيرادات السيادية من الضرائب وغيرها.
وكملاحظة أساسية، يمكنك رصد أن نسبة الإيرادات الضريبية بكافة انواعها الى الدخل القومى فى مصر لا تزال أقل من الدول الشبيهة.

فعلى المستوى العالمى يوجد 3 شرائح من الدول، الأولى تقل فيها هذه النسبة عن %15، والثانية تتراوح فيها بين 15 إلى %25 وهى الدول متوسطة الدخل، والثالثة التى تتجاوز فيها هذه النسبة %25 كدول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، وبالتأكيد ان الحكومة على علم تام بأن اصلاح هذا الخلل، لا يكمن فقط فى رفع معدل الضريبة، ولكن ايضا عبر زيادة كفاءة التحصيل.

وهناك أفكار أخرى فى هذا المجال يهمنى أن اطرحها للنقاش أبرزها أن يتم نقل عملية تحصيل أنواع معينة من الضرائب، كالضريبة العقارية إلى المحافظات لتصبح ضمن موارد المحليات، وستسألنى: وماذا سيسعد الحكومة المركزية فى ذلك؟ وسأجيبك بأنها ستتمكن من إنقاص المخصصات المالية لكل محافظة بمقدار قدرة الأخيرة على تحصيل هذا المورد. أما قناعتى بأن كفاءة السلطة المحلية فى التحصيل ستكون افضل، فترجع لعدة اسباب، أولها انه سيكون لها مصلحة مباشرة فى التحصيل لأن الإيراد سيدخل ضمن مواردها المتاحة للاستخدام على الفور، وثانيها أن الممول سيشعر بأن ما يدفعه سينعكس عليه إيجابيًا فى صورة مرافق وخدمات أفضل، أى أنها ستتحول إلى ما يشبه رسم مقابل خدمة مع انها ضريبة فى الأساس، ولن أكون طموحا الى حد المطالبة بتطبيق نفس الأمر، على ضريبة القيمة المضافة، بحيث يتم تحصيلها أيضًا مباشرة من المحافظات، وإن كان ذلك يجب أن يتم فى المستقبل.

● «المال» : ولماذا الإرجاء؟

– محمود محيى الدين: لأن تحصيل ضريبة القيمة المضافة من المحافظات يجب أن يرتبط ببعض الحوافز التى تساعد على تحقيق التنمية العادلة. ففى الوقت الراهن، ستتفاوت قيمة الضريبة بصورة كبيرة بين المحافظات بعضها البعض، ولذلك يجب أن يتم تخفيض معدل الضريبة فى محافظات الصعيد، وبعض محافظات الدلتا مثلا لتشجيع المستثمرين للذهاب اليها، بالتزامن مع اسناد مهمة التحصيل للمحليات، وهذا يندرج كما تعلم ضمن آليات السياسة المالية.

ولاحظ أن المحافظات لديها حاليًا مصدران فقط للتمويل، الأول يتمثل فى المخصصات التى تحولها لها الدولة، والثانى مجموعة الرسوم التى تفرضها على انشطة مختلفة، علما بأنه يوجد ما يقرب من ٢٠ موردا آخر، يمكن ان تقوم بتحصيلها، ذكرت لك فقط منها اثنين، الضريبة العقارية، وضريبة القيمة المضافة. وما أؤكد عليه مرة أخرى، وقولا قاطعا، ان العقارية من الأفضل أن تسند للمحليات، وأن يرجئ نقل القيمة المضافة لمرحلة لاحقة.

● «المال»: وما هى بقية الموارد العشرين؟

– محمود محيى الدين: عندك مثلا الأراضى والأصول غير المستغلة بالمحافظات، حاليا لا يوجد أى مصلحة لها، فى أن تتحمل عبء دراسة الاستفادة منها، سواء بطرحها او تطويرها، لأن العائد سيؤول للخزانة العامة للدولة، ولكن لو آلت هذه الحصيلة أو جزء منها إليها، فإن المحافظ ومعاونيه ورؤساء مجالس المدن، سيعكفون على بحث أفضل السبل لاستغلالها، واستخدام العائد فى تطوير الخدمات بالمحافظة.

هناك أيضا مورد رابع يتمثل فى فتح الباب والتوسع فى تأجير العقارات ومواقف السيارات، فى ظل حركة التحضر المستمرة، ولك أن تعلم، أن هذا البند يعد حاليا فى «كيجالى» عاصمة رواندا- ولن أضرب مثلا بواشنطن او نيويورك – من أهم مصادر الدخل للمواطنين والمستثمرين، وكل ما سبق يندرج ضمن ما يمكن ان تقوم به السياسة المالية.

● «المال»: لم تتطرق حتى الآن إلى ما يمكن أن تفعله السياسة النقدية، لمجابهة تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادى؟

– محمود محيى الدين: السياسة النقدية لها أدوات للتأثير بالفعل، ولكننى لا أريد الخوض فى تفاصيل، باعتبار أن البنك المركزى حاليا فى مجال تشاور مع صندوق النقد الدولى. ولكن دعنى أقول إنه من الأمور التى تقيد عمل السياسة النقدية فى أى دولة، بغض النظر عن توجهاتها، نسبة الشمول المالى، وتمثل عدد الأفراد الذين يمتلكون حسابات بنكية الى اجمالى عدد المواطنين البالغين ممن لهم حق فتحها، ومتوسط هذه النسبة فى المنطقة العربية %14، ومصر ليست بعيدة عنها، ولاحظ ان متوسط هذه النسبة فى دول افريقيا جنوب الصحراء تبلغ %35، و فى شرق اسيا %74، وترتفع، لتتجاوز %94 فى دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية.

ولكى نفهم أكثر، فإن آليات تأثير السياسة النقدية ليست فقط مرتبطة بعدد هذه الحسابات، وإنما ايضا بما تحويه من حركة ونشاط وتنوع فى المنتجات التى تعمل من خلالها، كبطاقات الائتمان وقروض التمويل العقارى، والتأجير التمويلى وغيرها، وهذا ما يجعل لحركة سعر الفائدة تأثيرًا، ويعظم مدى الاستجابة لها.

(ملحوظة: هذا الحوار تم إجراؤه قبل بضعة أيام من قرار المركزى الأخير برفع سعر الفائدة على الإقراض والإيداع بنسبة %2).

● «المال»: إذا كانت نسبة الشمول المالى متواضعة، وتنوع انشطة وديناميكية اغلب الحسابات لم يبلغ الدرجة المرجوة، فإن ذلك يضعف الى حد كبير – كما تقول – من فاعلية استخدام سعر الفائدة، كأحد أهم أدوات السياسة النقدية، إن لم تكن أبرزها وأشهرها فى آن واحد. فأى أداة نقدية، يتعين على البنك المركزى، اللجوء لها، للتعامل مع معدلات التضخم والتحكم فى عرض النقود فى الاقتصاد صعودا وهبوطا؟

– محمود محيى الدين: لا تعليق.

● «المال»: حسنا.. ما الإجراءات والأفكار اللازمة لتحسين نسبة الشمول المالى، ومن ثم زيادة فاعلية السياسة النقدية؟

– محمود محيى الدين: فى هذا الأطار يهمنى اولا ان انبه، لخطورة تركيز الاهتمام فقط على زيادة عدد الحسابات، دون اعطاء نفس الأولوية، لتحسين وزيادة، ما يتمتع به صاحب الحساب بأنواعه المختلفة من خدمات. فكما ذكرت فإن نسبة الشمول المالى فى افريقيا السوداء تتجاوز %30.. لكن ماذا يعنى ذلك؟ ليس بالضرورة منح فاعلية أكثر لأدوات السياسة النقدية فى دول هذه المنطقة.

أيضا لدينا فى مصر مشكلة أخرى، تتمثل فى ضعف معدل الادخار المحلى بما فى ذلك القطاع العائلى.
وتتقاطع بعض حلول هذه المشكلة مع مسألة زيادة الشمول المالى، وفى مقدمتها ضرورة ترسيخ العادة الادخارية والمصرفية عند المواطنين، ويمكن البدء مبكرا، مع فتح حساب بمبلغ بسيط لكل تلميذ، يتسلمه عند دخوله أولى سنوات المدرسة الابتدائية، ويتشارك فى تمويله القطاع المصرفى بشقيه العام والخاص مع الدولة.

● «المال»: هل هناك نماذج مشابهة نجحت فى دول أخرى؟

– محمود محيى الدين: هناك تجارب عدد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا التى قدمت تجربة مشهورة فى عملية الحث على الادخار، وأيضا بعض دول أوروبا الشرقية، التى اعتمدت على ربط الرقم القومى لكل مواطن بفتح حساب مصرفى له، وحققت نتائج جيدة فى مجال الخدمة والتعود عليها.

● «المال»: ولكن ماذا لو أهمل الطلاب وأهاليهم هذه الحسابات التى هادتهم بها الدولة والقطاع المصرفى؟

– محمود محيى الدين: حتى فى هذه الحالة ستكون البنوك رابحة والتجربة ناجحة. افترض أن هذا الحساب وضع فيه 10 دولارات أو ما يعادلها بالجنيه المصرى، فسيظل هذا المبلغ بالبنك مع ما يراكمه من عوائد على مدار السنين. ثانيًا هناك الكثير من الدراسات التى أثبتت أن البنك الذى اعتاد عليه الشخص فى صغره، هو فى الأغلب الذى سيستمر معه فى مختلف مراحله العمرية، والتى سيتزايد فيه دخله.

وهناك فكرة أخرى، تتمثل فى فتح حساب أيضا لكل طالب مع دخوله الجامعة، والفرق بينه وبين حساب تلميذ الابتدائى، أن الطالب الجامعى شخص بالغ، وبالتالى عنده القدرة منذ اول لحظة، على التعامل المصرفى بالسحب والإيداع وإجراء العمليات المصرفية المختلفة.

وثمة فكرة ثالثة تحقق عدة أهداف من بينها زيادة معدلات الادخار، وهى انشاء نظام للتأمين التعاقدى، وتقع مسئولية إطلاق رصاصة البدء فيه على الحكومة، هل تعلم الدولة لا تؤمن على مبانيها وأن وزارة المالية هى التى تتحمل تكلفة اعادة البناء والترميم للعقارات المملوكة للدولة، إذا ما تعرضت لحريق أو انهيار أو ما شابه، إذا ما أسست هذا النظام فإنه سيحقق لك ثلاثة أشياء، أولها زيادة الادخار كما ذكرت، وثانيها أن شركات التأمين ستطور مع الوقت طرقًا لمتابعة الأداء فيما يتعلق بالصيانة وأمان الممتلكات والدفاع المدنى وغيرها، وثالثًا أنه سيوفر مبالغ كبيرة تتحملها حاليًا الموازنة، إذا ما أصاب الخطر أو الضرر مبانيها، وفى مرحلة لاحقة، ينبغى على الشركات جذب القطاع العائلى الذى لا يؤمِّن حاليًا بدوره على العقارات أو الوحدات إلا مُجبرا فى حال استخدامه للتمويل العقارى بحكم القانون.

● «المال»: تسعى مصر حاليًا لإنشاء أول صندوق سيادى لها، هل لديك نصائح توجهها للحكومة وهى بصدد إعداد الدراسة الخاصة به للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة؟

– محمود محيى الدين: هناك أنواع كثيرة ومتعددة من صناديق الاستثمار السيادية على مستوى العالم، فى مصر أنت بحاجة لاثنين، الأول صندوق لإدارة الأصول المملوكة للدولة، ينظم طريقة عمله تشريع متكامل، ينبغى ان يتم اصداره بعد دراسة وافية، والثانى صندوق سيادى لإدارة استثمارات الدولة فى الداخل والخارج، سواء كانت فى مشروعات جديدة، أو فى عمليات استحواذ على شركات بالكامل أو حصص منها، وهذا الصندوق الأخير ممكن أن يشكل جزءا من قوة مصر الناعمة، فى افريقيا وغيرها، كما يلعب دورا فى مسألة ادارة الأصول الأجنبية للدولة، بالإضافة للاحتياطى النقدى.

الخلاصة أن الجمع بين عمل الصندوقين فى صندوق واحد صعب للغاية، وأقول هذا عن دراسة وافية قمت بها للنموذجين، لان أهدافهما مختلفة على الأقل فيما يتعلق بسرعة التخارج وغيرها من الأمور، أضف أنك فى الحالة المصرية، لديك عدد كبير جدًّا من الأصول المملوكة للدولة، تحتاج لهذه المرونة والكفاءة فى عمليتى الإدارة والمتابعة.

● «المال»: كيف نبدأ؟

– محمود محيى الدين: الصندوق الأول أصوله موجودة، وتتمثل فى شركات ومساهمات، ينبغى نقل ملكيتها إليه، سواء بالقيمة الدفترية أو غيرها، ولكى تجوِّد إدارة هذه المؤسسات، لا بد أن يُطرح جزء من أسهمها بالبورصة، حتى يكون هناك مؤشر يومى عن أدائها، أو بعبارة اخرى «ما اشتغلش عميانى».

● «المال»: ولكن أغلب هذه المؤسسات خاسرة ولا يمكن طرحها بالبورصة؟

– محمود محيى الدين: ما أقصده هو ضرورة طرح جزء من أسهم الشركات الرابحة، نأتى للصندوق السيادى الثانى، الذى هو فى نهاية الأمر صندوق مالى، أى كما تعلم يضخ استثماراته فى الشركات والمشروعات التى ينتقيها ولكنه لا يدير.

● «المال»: وما هى مصادر أمواله المستثمرة؟

– محمود محيى الدين: القاعدة البسيطة التى تعجب الكثيرين، تقول إن الدولة لديها إيرادات سيادية، من الموارد الطبيعية الناضبة، كالبترول والغاز الطبيعى والمعادن وغيرها، خصص ثلثها لسداد ديون سابقة، وثلثها الثانى لاستخداماتك الآنية، ووجه الثلث المتبقى منها لمستقبل الأجيال القادمة، عبر توجيهها للصندوق السيادى. أما ما أفضله فهو أن يوضع تحت تصرف الصندوق، صافى ما تقرره الدولة من ايرادات، لانه من السذاجة مثلا ان يكون لديك دين ذو فائدة مرتفعة، وتوجه الأموال للاستثمار فى الصندوق بعائد اقل بدلا من سداده.

وبصفة عامة أرى أننا قد تأخرنا كثيرا فى تطبيق هذه الفكرة التى طرحت لاول مرة فى عام 2007، ومنذ هذا الوقت تأسست عشرات الصناديق السيادية على مستوى العالم، فى حين لا تزال الفكرة لدينا مطروحة، نقطة أخيرة بالغة الأهمية، أن إنجاح تأسيس وعمل الصندوقين السابقين، يتطلب ضرورة تكاتف وتعاون جميع الجهات ذات الصلة، سواء الوزارات المعنية بالموارد الطبيعية أو الاستثمارات طويلة الأجل أو البنك المركزى وغيرها.

شارك الخبر مع أصدقائك