رجائى عطية

اللغة‮ ‬ والحياة‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

يبدو أن الوظيفة الأولي والأخيرة لأية لغة، هي أن ننقل ألفاظها وتراكيبها المصطلح عليها معاني الأفعال والأشياء حسب سياقها ـ إلي من يستعملونها عادة أو أحياناً.. وليس يلزم أن يكون المعين المتواضع عليه ـ صحيحاً في ذاته، أو موجوداً في الواقع.. إذ يكفي أن يكون كذلك في المحيط.. فإن كانت الألفاظ والتراكيب لا تحمل معني محدداً معيناً معهوداً عند الناس، فإنها تكون تجميعاً لأحرف وأصوات من أجل أغراض أخر غير غرض النقل والبيان والتعريف الذي هو عمل اللغة.. إذ لا سبيل مهما تكن الألفاظ والتراكيب في الأصل منتسبة إلي اللغة ـ لا سبيل لأن تكون صالحة لضبط وتحديد أي معني لغوي، لا عند من يستعملها، ولا عند من يخاطب بلسان هذه اللغة.. وذلك لتخلف وجود شئ في حياة الناس العادية يمكن أن تتحدث عنه بالفعل تلك الألفاظ والتراكيب.
 
ولكن الآدميين عرفوا من قديم الحيل البلاغية من تشبيه ومجاز واستعارة وكناية وغيرها لتقوية إحساس السامع أو القارئ بمراد المتحدث به، وترحيب السامع أو القارئ العادي بما يستحسنه من تلك المحسنات البيانية في النثر أو في الشعر، التي جري التنافس عليها في عصور غير قليلة.
 
كذلك استعملوا ألفاظ اللغة وتراكيبها في عرض وتسجيل الفروض الفكرية الصرف والنظريات المبنية عليها.. وقد أقام الحكماء والفلاسفة المذاهب والمدارس، وتابعهم تلاميذهم، في الاشتغال بأصل العالم والطبيعة والكون والفساد والجوهر والعرض والأزلي والفاني والكامل والناقص إلي غير ذلك مما.
 
لا سبيل إلي مواقعته وإمكان ضبط صحة النظرية فيه.. وذلك لأن استعمال اللغة رسم محض الأفكار والتصورات والفروض والنظريات والمذاهب المتعلقة بها ينطوي دائما علي تجاوز لوظيفتها، وهو يعطي كل مفكر حرية التصرف في ألفاظها وتراكيبها.. وابتداع المسميات والاصطلاحات والفروق والأصول والفروع ـ بغير مقيد. ولم يعترض سواد الناس علي هذه المجازفات، لأنها ابتداء وانتهاء لم تمس مصالحهم مباشرة، ولم تزد أو تنقص حياتهم شيئاً واعتبروها من خصائص أهل الحكمة والعلم وحدهم يداولونها فيما بينهم فقط ولا شأن لها بعموم الخلق.
 
وللحد من الخلط والخبط والاضطراب، وضع فولتير المعجم الفلسفي، ووضع بعده العديد من المعاجم الفلسفية في فرنسا وغيرها، وفعل ذلك أستاذ الفلسفة المصرية الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي، فصنف بمفرد معجما كبيراً للفلسفة.. علي أن هذا العمل ظل مقصوراً علي الفلاسفة والأساتذة الكبار، ولم يتحرك خلق الله العاديون لوضع شيء من ذلك إيجاباً أو سلباً.. وقد وضعت في أيامنا معاجم متنوعة للعلوم  والفنون والتجارة والقانون والسياسة ـ لضبط مصطلحات هذه الفروع لدي المشتغلين بها أو القارئين لكتبها ومؤلفاتها ونشراتها.
 
ومن النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأت عملية جمهرة الثقافة والمعرفة في الانتشار، وبدأت أعداد غير قليلة تلوك ألسنتها العديد من مصطلحات وعبارات الفلسفة والعلوم والفنون والقانون والصناعة والسياسة والآداب والمسرح وغيرها .. ونتيجة انتشار التعليم العام والخاص والثورة الصناعية والتطور الهائل في وسائل الإتصال والنقل ـ نتيجة لذلك انتشرت الصحف والصحافة في كل مكان، وكثرت وازهرت  دور الطباعة والنشر، والإقليمية والدولية، وأصبح عميلها الرئيسي الفعلي من سواد الناس العاديين، وليس فقط من المتخصصين وأشباه المتخصصين .. ودخلت مع هذا التغيير الجسيم ـ عبارات ومصطلحات الفلسفة والعلوم والفنون.. إلخ بغير ضابط أو رابط في اللغة الجارية، وأفسدت ما في لغة الآدمي العادي من فطنة ويقظة عبر مرور الأجيال وتتابع الحظوظ المختلفة.. واعتاد الجمهور هذا التجديد سماعا واستعمالا ـ دون اعتراض أو إحتياط. بل وبني علي أساسها صيغ مذاهبه السياسية والاجتماعية، ورددتها مراكز وفروع الأحزاب والطوائف والجماعات والجمعيات، وقامت وقعدت بها صحافتها ونشراتها وصراعاتها وتطاحنها علي مقاعد المجالس النيابية وكراسي السلطة والحكم !
 
       والمهم أن دليل ثقافة المتحدث أو الكاتب في بلاد الغرب والبلاد التي تأثرت بها ـ أن يأتي أو يستعمل في معالجة ما يتصدي لمعالجته من شئون الدنيا ـ بوفرة من تلك العبارات والمصطلحات، ويجعلها من المحاور الرئيسية لمنطقه الأنيق المزود بالأسانيد.. غير مبال علي الإطلاق بالإبهام والاضطراب اللذين تحملهما تلك الإضافات الفارغة ـ إلي الموضوع المعين الذي يحاول معالجته. وقد بات هذا التقليد لدي جمهور المستنيرين كما يحلو  لهم أن يدعوا أنفسهم ـ بات نوعا من أفيون اللغة السائدة، لا سبيل إلي مقاومة الإدمان  عليه.. وهذا المخدر الخطير يزداد انتشارا بين جمهور القارئين والكاتبين في بلاد الشرق الأدني.. تلمسه واضحاً في أحاديثهم ومقالاتهم وكتبهم، وتراه واضحاً فيما يردده عن هؤلاء ـ الناقلون عنهم .. لا تشهد عين العاقل العادي الطبيعي لديهم في أية مشكلة حقيقية فعلية تواجههم بكل صرامتها وصراحتها ـ إلاّ الحرص الشديد من جانبهم علي إبعاد ما هو جوهري، بل ما هو صُلب وعصَب المشكلة إلي أقصي حد، مهما يكن عنيفاً حاداً أو بشعاً مفزعاً.. وتقديم ومحاولة تطبيق المصطلحات الباهتة الناقصة المبهمة التي لم ولن تتوافر لشرائط انطباقها أو تطبيقها في أي وقت.. لأن أية مشكلة فعلية منشؤها دائما أو غالبا واقع قديم وواقع عارض، ولا تعالج إلاّ بواقع فعلي جاهز لمواجهتها، إما بإطفاء واقعها العارض الذي هو الشعلة التي ألهبتها، وإما بعلاج واقعها القديم الذي هو بيت الداء، وإما محاولة علاجها بالصيغ والاصطلاحات والفصاحات والتمنيات والمأمولات.. فحيلة العاجز لستر عجزه وإخلاء ذمته من تلك المشكلة وأطرافها ومما تنتهي إليه إذا لم تلق العلاج الناجع المجدي ممن يملكه، ومن هو مستعد لتقديمه في حينه
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »