شريف عطية

الكيد السياسي

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية

السودان، ذلك الوطن الفسيفسائي الذي سماه »الخديو إسماعيل« من بعد ضم سلخات جغرافية وبشرية إلي بعضها البعض عبر مراحل مختلفة من القرن 18، ليصبح أهله منذ إنشائه.. موزعين مع مصر ما بين التعالي والدونية، مروراً بالحكم الثنائي البريطاني – المصري 1899، إلي أن طوت »ثورة يوليو«.. مشروع دولة وادي النيل »من الإسكندرية شمالاً إلي جوبا جنوباً«.. مقابل أن تحصل مصر علي استقلالها 1956.. الذي جاء متزامناً مع صنوه السوداني، إلي توقيع اتفاق التكامل بينهما من نهاية السبعينيات إلي منتصف الثمانينيات.. ليفترقا بعدئذ علي مذبح الثأرات الشخصية لقصف جزيرة »أبا«، قبل أن تقوم حكومة الانقاذ بمحاولة اغتيال الرئيس المصري 1995، ذلك علي النحو الذي أقام – عبر قرنين تقريباً – حاجزا بين الإدراك السياسي السوداني والمصري، جعل من سلوكيات الدولتين أشبه بـ»الكيد السياسي« عن كون حاجة كل منهما للآخر.. ضرورة استراتيجية.
 
من جانب آخر، فإن السودان منذ إنشائه.. وهو نهب لسلوكيات داخلية متنوعة من »الكيد السياسي« بين فرقائه.. أفرزتها العلاقة غير الصحية بين العروبة والزنوجة، والإسلام واللا إسلام، والخصوبة والتصحر.. فيما تتصارع الأحزاب السودانية وقادتها بعضهم البعض منذ الاستقلال إلي اليوم، إذ يكيد قادتها الحاليون لبعضهم سياسياً »البشير – الترابي – المهدي – الميرغني…«، إذ يهرعون دوماً إلي خارج البلاد لعقد المؤتمرات، ولوضع مخططات تدعمها قوي أجنبية – بحسب الصحافة السودانية منذ أيام – يجمعون لها رموز المعارضة من أجل مناقشة بديل لنظام الحكم.. وخلق أجواء من عدم الاستقرار قبل الانتخابات المقبلة.

 
من جانب ثالث، هناك »كيد سياسي« آخر.. علي الصعيد الخارجي حول السودان، إذ تكرس كل من الصين، وإيران نفوذيهما في القرن الأفريقي بصفة عامة، وفي السودان علي وجه الخصوص، الأمر الذي تتصدي له الولايات المتحدة من خلال توظيفها سياسة »العصا والجزرة« مع أهل الحكم في السودان، إما في اتجاه الوساطة نحو تهدئة أزمات السودان (..)، وإما في اتجاه صب المزيد من الزيت علي بؤر النيران المشتعلة بالفعل علي الأرض السودانية، فيما لا تدخر إسرائيل وسعاًفي القيام بـ»حملات تضليل« ضد السودان وجواره الأفريقي في البحر الأحمر، ذلك استمراراً لما درجت عليه السياسة الإسرائيلية طوال نصف القرن الأخير.. في نصب شراكها داخل السودان وعلي أطرافه.
 
إزاء هذا »الكيد السياسي« الذي يعتبر من أهم عوامل تدهور الحالة السودانية، فإن السودان يحتاج في المقام الأول إلي تصحيح علاقاته مع مصر، وإلي وجود رجال دولة حقيقيين في كلا البلدين.. للاضطلاع بما يدخل في نطاق »البناء السياسي«.

شارك الخبر مع أصدقائك