توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (116)

شارك الخبر مع أصدقائك

عن موازين القوة الدولية

أمضيتُ الأشهر الماضية محاولًا ترتيب أفكارى ومعلوماتى عن موازين القوة الدولية، وأعطى هنا بعض ما توصلت إليه آملًا أن يصحح أو يؤكد أحدٌ كلامى. ما سبب هذا السعي؟ أعيش منذ 1991 مقتنعًا بأن الولايات المتحدة أقوى دولة فى العالم وأنها تستطيع أن تخوض فى نفس الوقت حربين ضد أقوى منافسيها وتنتصر فيها٬ وعندما حضرت مؤتمر الناتو سنة 2014 قال كبار العسكريين الأمريكيين للأكاديميين الحاضرين إن هذا ما زال حقيقيًّا، ولكن هذه الأوضاع لن تستمر ما لم تراجع الولايات المتحدة نفسها.

ومنذ النصف الثانى من سنة 2020 تُجمع مراكز الفكر الأمريكى على أن الوضع متأزم، وأن حالة القوات البرية والبحرية والجوية يُرثى لها٬ وأن هناك نقصًا فى المُعدات٬ وأن الكثير منها شاخَ٬ وأن المهارات التى اكتسبها الجنود أثناء الحروب على الإرهاب ليست المهارات المطلوبة فى صراع مع جيوش الدول الكبرى٬ فعلى سبيل المثال لم يتعود الجنود الأمريكيون على خوض حرب يمتلك فيها العدو سلاحًا جويًّا وقدرات ومهارات تسمح بالتشويش. ويشير البعض إلى مئات المليارات التى تم صرفها فى مغامراتٍ لا طائل منها تسبَّب بعضها فى تدهور حاد للبيئة الإستراتيجية.. إلخ. وتقول التقارير الرسمية الأمريكية إن الصين تتمتع الآن بتفوق على الولايات المتحدة فى بعض المجالات٬

اقرأ أيضا  الجذور التاريخية للسيكوباتية الإسرائيلية

ويفرض السؤال نفسه: هل هذا الكلام صادق أم لا؟ من المعروف أن الإدارات الديمقراطية فى أمريكا تميل إلى تخفيض ميزانيات القوات المسلحة٬ وهذه الإدارة تحديدًا من أكثر الإدارات يسارية فى تاريخ أمريكا٬ قصدى قد يكون نشر صورة سوداوية للوضع وسيلة لممارسة الضغط على الإدارة لمنعها من المضى قدمًا فى خططٍ لا ترفع ميزانية الدفاع رغم ارتفاع معدلات التضخم.

ويزيد من أهمية السؤال ما نعرفه عن خطط وطموحات الصين التى أعلنت فى وثائقها أنها تأمل فى أن تصل قواتها المسلحة إلى مستوى القوات الأمريكية… سنة 2049، طبعًا هناك من سيقول إن الكلام الصينى ضرب من ضروب تنويم العدو.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1248)

شرعت أسأل الزملاء الذين يتابعون هذا الملف أو يتخصصون فيه. وأقول أولًا إنه لا أحد يعلم على وجه الدقة حقيقة مستوى القوات الروسية والصينية، وحقيقة القدرات التكنولوجية والمهارات العملياتية والروح المعنوية للجنود٬ وثمار التعاون العسكرى بينهما. كما لا نعلم إن كانت شبكات الصواريخ الروسية تستطيع منع دخول الطائرات منطقة ما أم ترفع التكلفة رفعًا كبيرًا

ثم أضيف أن هناك تساؤلات مشروعة حول برامج التصنيع فى الولايات المتحدة٬ هل تملك الشركات المنتجة للسلاح القدرة على التأثير على القرار الخاص بتشخيص التهديد ليبرر شراء منتجاتهم؟ هل تلعب مقتضيات الحفاظ على النسيج الصناعى الأمريكى دورًا أكبر من حقيقة التحديات والتهديدات فى تحديد الأسلحة الواجب إنتاجها؟ من ناحية أخرى هناك ما يدعو إلى التعجب من بعض أوجه الإنفاق٬ لن يقول أحد إن الطائرة F35 لا مزايا لها، وسيقرّ الجميع بأنها جوهرة تكنولوجية٬ ولكن تكلفة البرامج وأبحاثه وتكلفة استخدام وصيانة هذه الطائرة مرتفعة للغاية. وهناك من يقول إنها ليست الطائرة الأمثل فى حال مواجهة مع الصين٬ ويشير بعض الخبثاء الفرنسيين إن طائرة الرافال تفوقت على الـF35 فى إحدى المناورات.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (124)

وعلى المنوال نفسه… الولايات المتحدة صنعت واستخدمت قاذفات قنابل لتحل محل الطائرة الأسطورية B52… انتهى العمر الافتراضى للطائرات الأحدث وما زالت الـB52 صالحة للاستخدام متمتعة بفعالية رهيبة٬ وستكون غالبًا أول طائرة تستخدم مائة سنة…

خلاصة رأى مَن تحدثت معهم أن الولايات المتحدة ما زالت أكبر قوة عسكرية فى العالم، وتفوقها واضح. ولكنها أضعف من الصين فى منطقة بحر الصين٬ وفقدت أمريكا أو فى طريقها إلى فقدان القدرة على خوض حربين فى نفس الوقت والانتصار فيها.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »