القطة التي تأگل بنيها‮!!! (‬1ـ‮ ‬2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية
 
القطة التي أكلت وتأكل بنيها، تعبير صادق حتي النخاع في وصف تعديات المصري علي أرضه ووطنه ومصدر نمائه وبقائه.. مشكلة مصر، كما هي ميزتها، أنها مجتمع نهري، نشأ وعاش حول وعلي ضفاف النهر، حتي قال هيرودت إن مصر هبة النيل.. من يصبر علي مطالعة أسفار جمال حمدان الأربعة: »شخصية مصر « ـ دراسة في عبقرية المكان، سيري أن النيل الذي قدسه أجدادنا، هو صانع مصر وتربة وخيرات أرض مصر.. أن النيل حكم الحياة وحصرهــا فــي ربــوع الــوادي، وحكم أماكن النمو الجغرافي والسكاني، وجعل المجتمع المصري مجتمعاً نهرياً يتطبع بالنهر، ويدور حوله، ويستمد منه.. هذا النهر واهب الخلد للزمان علي حد تعبيـر محمــود حســن إسماعيــل، والذي منه يتقبل الوادي الحياة كريمة ـ كما قال شوقي، قد أتي خيره مما أضافه إلي أرض الوادي الصحراوية أصلاً، من طبقات تلو طبقات أعطت القوة والخصب لهذه التربة التي قامت عليها الزراعة والحياة في مصر!
 
ما تحتاجه الأرض، وينحصر فيه صاحبها!
 
اقتران خصوبة الأرض بالنيل، وإقتران حياة المصري ـ بأرضه علي ضفتي النيل ، قد خلق منذ فجر التاريخ تعارضا بين ما تحتاجه الأرض، وما يحتاجه صاحب الأرض.. خصوبة الأرض ، رأسيا وأفقيا، تقتضي المحافظة والحرص عليها وحمايتها حتي النخاع من التآكل والجور عليها، بينما حياة المصري مربوطة بالنيل وبالتالي بذات هذه الأرض.. عليها يحيا، وفيها يعيش .. العيش علي الأرض هو بطبيعته نحر من عطائها الزراعي، إلتفت المصري منذ القدم إلي عدم تغوله ـ بقدر إمكانه ـ علي الرقعة الزراعية.. ساعده علي ذلك ـ قديماً ـ قلة الكثافة السكانية وتواضع عدد السكان، ولم ينفجر التعارض ـ إنفجاراً حقيقياً ومؤثراً ـ إلاّ مع الإنفجار السكاني الذي إخترق كل المعدلات المعقولة للتزايد السكاني، وصاحبه من أسف عدم الإلتفات إلي توجيه الإمتداد العمراني إلي الأراضي الصحراوية بخارج الوادي، واستيسر الناس أن يقيموا »بالجوار« ـ وألاّ يبعدوا عن مصدر الحياة، وزاد الطين بلّة رغبة بدأت معقولة ثم صارت مرضاً فوباءً ـ في إقامة مباني الوجاهة وقصور الترف بداخل الأراضي الزراعية حيث الخضرة الخلابة، وحيث يمكن أن تكون الأرض ملك صاحب البناء أو القصر، وأخفقت السلطات المعنية بالأرض وحفظ خصوبة الأرض وحمايتها من تعديات التبوير وتعديات البناء ـ في إيقاف هذا المد الذي توسل إلي ما يريد بالسبل المشروعة وغير المشروعة حتي إستشرت فئات تتخذ من تسهيل هذا المروم باباً لاينغلق للإرتشاء والتنعم.. وشيئاً فشيئاً زاد التغول علي الأراضي الزراعية، وإنزرعت فيها الخرسانة والمباني بدل المحاصيل، وصرنا حقيقة كالقطة التي أكلت وتأكل بنيها!!
 
هل أجدت سياسة المدن الجديدة؟!
 
ليس من شك، أن الدولة حين اتجهت إلي سياسة المدن الجديدة، كانت تريد أن تلفت المصري عن إغتيال وأكل أرضه الزراعية التي تتناقص يوماً بعد يوم، وتتناقص بالتالي غلتها، بينما التعداد السكاني يتزايد بمعدلات إنفجارية .. لم تحقق هذه السياسة المرجـو أو كــل المرتجــي منهــا ـ أحــد »الغيلان« المعيقة، الإنفجار السكاني الذي بلغ الآن قرابة 70 مليون نسمة بعد أن كان في حدود نحو 9 ملايين نسمة في عام 190.. هذه الزيادة الهائلة تستهلك أي تفريج مرجو من المدن الجديدة التي ريم بها الإنطلاق في الصحراء بدل »الدهس« في الأرض الزراعية!.. هذه الأرض التي تناضل الإدارة المصرية من أجل زيادة رقعتها بمشروعات مثل مديرية التحرير و الوادي الجديد ـ سالفا، ومثل ترعة السلام وتوشكي وخليج السويس، وهي مشروعات ـ إن نجحت واحتملنا تكاليفها الهائلة ـ فإن عطاءها لايتحقق إلاّ علي المدي الطويل، وقصاري المأمول أن يأتي بشيء علي المدي المتوسط.. المشكلة أن ما يتحقق علي المدي الطويل ـ تلاحقه بقوة المعدلات الانفجارية للنمو السكاني والتي تستهلك الزيادات المأمولة استهلاكاً لايدع فرصة حقيقية لتحول هذه المشروعات إلي »إضافة« نسبية محسوبة بالقياس إلي الرقعة السكانية ومترجمة إلي ارتفاع في مستوي الدخل والمعيشة؟!!
 
هل فكر المصري فيما يفعله برقعته الزراعية ، وبالتالي بنفسه .. أن عطاء أرضنا لنا ، وأرضنا الزراعية تتناقص مساحة ً وخصوبة ً وغلة ً، بينما لا نتوقف عن التناسل والإزدياد ، إزدياداً توري الإحصائيات بأنه سيصل إلي قرابة 85 مليون نسمة بعد قرابة عشر سنوات أو أزيد قليلاً ـ ألا يعني هذا أننا في غيبوبة؟!.. لماذا يرمي المصري »عَبَله« كله علي الإدارة وينتظر في سلبية أن تأتيه بالحلول، مع أن الحل هنا يعتمد علينا ـ علي سلوك كل واحد منا.. إدراك أهمية ولزوم تنظيم النسل قضية فردية إلي جوار كونها قضية مجتمعية .. وتبقي مجهودات الإدارة بغير صدي مالم يصادفها إقتناع فردي صادق وفاعل ينعكس في أخص خصوصيات العلاقة الخاصة جداً بين قطبي الأسـرة المصرية!!
 
انفجار الكثافة السكانية
 
ارتفاع الكثافة السكانية ـ ناهيك بالإرتفاع الهائل، علي ضفتي الوادي ، يهدد بكارثة حقيقية، وبسلسة من التداعيات السلبية علي البيئة والمجتمع والإنتاج والخدمات وغيرها.. وأخطر سلبيات إرتفاع هذه الكثافة هو »النحر« المستمر من رقعة الأرض الخصبة.. هذا النحر تفرضه إحتياجات هذه الكثافة لسبل الحياة والمعيشة، وتسهم فيه أيضاً قلة الوعي، والإنحصار في رغبات الذات، وعدم الإلتفات ـ أو بالقدر الكافي ـ للأ ثر المدمر الناجم عن تآكل الرقعة الزراعية.. مثلما تسهم فيه سلبية الضبطية الموكل إليها حماية الأراضي الزراعية من التبوير والبناء والتعدي.. وهي سلبية لا ترتد كلها إلي »الإهمال« أو »التقاعس« ـ وإنما منها ما ينجم عن العمد المقصود لقاء ثمن!!
 
وأمراض الضبطية القضائية المعاونة ـ أمراض عديدة ـ مع تزايد أعدادها في مصر تزايداً يبدو أنه إفتقد كثيراً من »الضوابط« التي تراعي في »إختيار« الملتحقين بكليات الشرطة مثلاً أو بالنيابة العامة.. ومع غيبة الضوابط أو تواضع هذه الضوابط في الإنتقاء، تكون »الخامة« الموكول إليها حماية الأراضي الزراعية من التآكل هي ذاتها »الآكلة« علي موائد النحر المستمر فيها!!
 
ليست مهمة الإدارة فقط!
 
المهمة التي تواجهنا، لايمكن أن تكون مهمة »الإدارة« وكفي.. وإنما هي مهمة وطنية يجب أن تلتئم فيها جهود الناس ـ كل الناس ـ  مع جهود الإدارة .. لابد أن يري الناس ويدركوا إدراكاً واعياً علي ماذا سوف يكون الحال ـ حالنا ـ إذا مضينا بلا وعي في ” نحر ” الأراضي الزراعية بالمباني وبالتبوير وبالتعديات .. لابد لنا أن ندرك بلغة الإحصائيات إلي أين نتجه.. أن نعرف أن النمو السكاني لابد أن يصاحبه بالضرورة والحتم نمو عمراني يأكل ـ مهما إحتطنا ـ من الأرض الخصبة، ولذلك تزداد معدلات النمو العمراني في الريف حيث ترتفع معدلات النمو السكاني عنها في الحضر الذي تقل معدلات إنفجاره السكاني نسبيا نتيجة المستوي التعليمي والمدني والثقافي والحضاري ـ لذلك فإن النمو العمراني العشوائي في الريف تبعاً لإرتفاع معدلات النمو السكاني ، يمثل خطراً أبلغ وأشد من عشوائيات المدن، لأن عشوائيات القري تأكل ـ وحيث أثمان الأراضي أرخص ـ من الأرض الزراعية الخصبة مباشرة.. الإحصائيات تترجم عن غلبة أسباب وعوامل »النحر« في الأرض الزراعية نتيجة النمو العمراني العشوائي، علي المحاولات المستميتة لزيادة الرقعة الزراعية.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »