اقتصاد وأسواق

القطاع الخاص فى الشرق الأوسط تحت رحمة النفوذ السياسى

محمود سالم مبارك وبن على وأردوغان مارسوا «المحسوبية» فى منح القروض وإبرام العقود 50 مليار دولار حجم صفقات أبرمتها شركات ترتبط بسياسيين أتراك فى 2015 الشركات تزدهر برعاية السلطة وتتمتع بامتيازات لا تمتد إلى الآخرين لم يكن غريبا أن يطرح منتدى البحوث الاقتصادية، قضية العلاقة بين رأس ا

شارك الخبر مع أصدقائك

محمود سالم

مبارك وبن على وأردوغان مارسوا «المحسوبية» فى منح القروض وإبرام العقود

50 مليار دولار حجم صفقات أبرمتها شركات ترتبط بسياسيين أتراك فى 2015

الشركات تزدهر برعاية السلطة وتتمتع بامتيازات لا تمتد إلى الآخرين

لم يكن غريبا أن يطرح منتدى البحوث الاقتصادية، قضية العلاقة بين رأس المال والدولة فى منطقة الشرق الأوسط للحوار فى ذلك التوقيت وسط الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، التى تمر بها المنطقة والعالم أجمع.

وطرحت القضية على مدى يومين بمدينة مراكش المغربية، على لفيف من أبرز خبراء الاقتصاد والاجتماع وصناع القرار بالمنطقة، ومؤسسات التمويل الدولية وكبرى الجامعات العالمية، على رأسهم الدكتور أحمد جلال، وزير المالية الأسبق والمدير التنفيذى للمنتدى، والدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذى للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية، والدكتور مصطفى نابلى، محافظ البنك المركزى التونسى الأسبق، والدكتور أحمد فكرى عبد الوهاب، رئيس الشركة المصرية الألمانية للسيارات.

إضافة إلى الدكتورة ميلانى كامت، الخبيرة الاقتصادية بجامعة هارفارد، والدكتور عديل ماليك، عالم الاجتماع بجامعة أكسفورد، والكتور إسحق ديوان، الخبير الاقتصادى بجامعة هارفارد، ورئيس المشروع البحثى للمنتدى، وغيرهم من المسؤولين والمتخصصين، الذين عايشوا نماذج من «المحسوبية» التى مارستها السلطة السياسية فى العديد من بلدان المنطقة، خاصة خلال أيام الرئيس المصرى الأسبق، حسنى مبارك، والرئيس التونسى السابق، زين العابدين بن على، بجانب ما حدث ويحدث فى تركيا والمغرب وإيران ولبنان وغيرها من دول المنطقة.

وتتمثل القضية فى التسليم بكون جزء من القطاع الخاص فى المنطقة فعال وناجح، ولكن معظم الشركات غير فعالة واتصالها بالأسواق ضعيف، كما أن الشركات المسنودة سياسيا تزدهر تحت رعاية الدولة وتتمتع بامتيازات فعلية لا تمتد إلى الآخرين، وبالتالى فإن عددا قليلا من الشركات تتربع على رأس الهرم وتحصل على نفاذية إلى القرارات والمعلومات والتمويل والأسواق دون غيرها، مما يحد من المنافسة الفعلية ويجعل كل الشركات الصغيرة تقبع فى قاعدة الهرم، وهو ما يمثل خسارة كبيرة للاقتصاد وللدولة بشكل عام.

من هنا جاءت محاولة اكتشاف العلاقة بين رأس المال والدولة، فى بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ بهدف دعم المنافسة الحرة النزيهة والخالية من النفوذ السياسى أو تحيزات الدولة لصالح هذا أو ذاك، وكذا البحث عن حلول تعزز إمكانات أصحاب المشروعات الخاصة فى النمو والمنافسة وتحسين نوعية الحياة للمجتمع.

وقال أحمد جلال، إنه لا يشك فى أن القطاع الخاص هو المحرك الأساسى للنمو فى أى اقتصاد ناجح، ومع ذلك فإنه لكى يعمل بشكل صحيح يجب أن تكون هناك منافسة حقيقية ونزيهة، وبعيدة عن التدخل السياسى وصولا إلى سوق متنوعة ومفتوحة وحيوية، يمكن أن تزدهر وتستديم.

وأضاف أنه للأسف ليس هذا هو الحال فى العديد من بلدان المنطقة، ولذا كان من الضرورى تقديم مشورة ملموسة حول كيفية التعامل مع هذه القضية المهمة للغاية، من خلال دراسة تفاعلات العلاقة بين رأس المال والدولة، مؤكدا أن أسوأ أنواع الرشوة أو المحسوبية هى الرشوة والمحسوبية المقننة.

وأوضح أن طبيعة النظام هى التى تحدد طبيعة العلاقة مع القطاع الخاص، وهل يحدث التعاون لصالح البلد أم لصالح السلطة، ولذا فإنه إن لم تنصلح السياسة لن ينصلح الاقتصاد، مضيفا أن نموذج دولة مثل كوريا الجنوبية التى كانت تمنح امتيازات من هذا القبيل، وحققت نتائج اقتصادية جيدة، هو نموزج مرفوض ولا نريده، فالسياسيون عندما يمنحون المزايا للقطاع الخاص مجبرون، اعتقادا أن ذلك يحقق المصلحة سوف يمنحون تنازلات مقابل أمور أخرى، فالمحسوبية دائما ما ترتبط بالسلبية وقد كانت محفزا للثورات لكونها تضر بالمجتمع ككل وبالاقتصاد خاصة.

«تاريخ القطاع الخاص بالمنطقة يشير إلى أنه كان دائما مرتبطا بالنفوذ السياسى».. هكذا بدأت ميلانى كامت، مضيفة أن السياسيين دائما تكون لهم آراء خاصة، ورغم أن المعجزة الكورية قامت على أساس من المحسوبية، لكن ذلك لا يعنى تأييدى لها.

وقال عديل ماليك إن مصر شهدت محسوبية واسعة خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك، مؤكدا أن العديد من القوانين التى صدرت وقتها كان يشوبها اللبس، وقد استفاد منها أصحاب الشركات المقربين من السلطة، أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من المقاولين استفاد ماليا من النفاذ إلى النخبة السياسية.

وأضاف أن هذه المحسوبية تزايدت بشكل كبير، مما أثر على الشركات التى لا يرتبط أصحابها بالسلطة، وتطرق ماليك إلى ما حدث فى كوريا الجنوبية، وبعض دول شرق آسيا فقال: إنه لا يمكن التعميم فى شأن قضية المحسوبية، فما حدث هناك كان يعكس طبيعة التحالفات بين القطاعات الصناعية، ولكن المشكلة فى الشرق الأوسط «عويصة».

واتفق مع ماليك، إسحق ديوان بشأن ما شهدته مصر من محسوبية أيام مبارك، موضحا أن ذلك حدث بالتحديد فى 2004 عندما بدأ جمال مبارك يحظى بشراكات مع أصحاب الأعمال فى قطاعات معينة.

وقال ديوان إن الشركات المرتبطة بالسلطة السياسية حصلت فى ذلك الوقت على حصة كبيرة من القروض التى منحتها البنوك، مشيرا إلى أن 32 شركة ورجل أعمال كانت لديهم علاقات بالسياسيين، وأن 4 من هؤلاء عملوا فى مجالس إدارات شركات لها صلة بجمال مبارك وأصحاب السلطة، وذكر أن تلك الشركات حصلت على %82 من قروض البنوك.

وذكر مارك شينبار أن الشركات المرتبطة بالسلطة فى عهد مبارك توسعت ودخلت فى أشطة متعددة، وقد وصل أصحابها إلى مناصب عليا وأصبحوا وزراء، بعكس الشركات الأخرى التى تقلص حجمها وبعضها اختفى، إذ لم تستفد من الامتيازات التى حصلت عليها الشركات ذات الصلة بالنفوذ السياسى.

وضرب شينبار مثالا لما كان يحدث، فقال إن جانبا كبيرا من دعم الطاقة تم توجيهه إلى شركات ذات صلة بالسلطة، مضيفا أن لجنة السياسات بالحزب الوطنى التى كان يرأسها جمال مبارك، كان لها تأثير كبير فى هذا الشأن.

ولم تكن مصر هى الوحيدة التى شهدت ممارسات للمحسوبية، هناك أيضا المغرب، وكما قال محمد أبنال الخبير المصرفى المغربى، فإن هناك نوعا من التدخل من جانب الشركات الأسرية القابضة فى قطاع البنوك، مؤكدا وجود علاقات متشابكة بين مجالس إدارات الشركات وبين المسؤولين الحكوميين، وفى نفس الوقت هناك شركات لا تحظى بمثل هذه العلاقات.

وعن المغرب، قال وزير صناعة مغربى سابق، هو محمد سعيد سعدى عن المحسوبية إن هناك حالة من الضبابية فى هذا الشأن، مضيفا أن المحسوبية تطورت مع مرور الزمن، وربما أصبحت أكثر انتظاما.

وأوضح أن الأسرة المالكة ورئيس الوزراء والوزراء يملكون %63 من الشركات من بين 620 شركة صناعية، وهناك مستفيدون آخرون بالبرلمان، ولكن حصتهم أقل من الأسرة المالكة والوزراء، إضافة إلى كون تلك الشركات تحصل على معدلات فائدة على القروض المصرفية، بينما الشركات الأخرى تعانى من الضغوط.

وفى لبنان، تلعب المحسوبية دورا فى توفير فرص العمل، وكما تقول دراسة لإسحق ديوان وجمال حيدر، «جامعة هارفارد» فإن ثلاثة أرباع طلاب الجامعات هناك يعتقدون أنه من الضرورى وجود صلة بالسياسيين حتى يحصلوا على فرص للعمل.

أما تونس فحدث ولا حرج، عندما كان يحكم زين العابدين بن على، كما تقول ليلى بغدادى الخبيرة بمدرسة البيزنيس هناك، فإن ليلى الطرابلسى زوجة الرئيس السابق هى وزوجها كانا يتقاسمان النشاط الاقتصادى، أضف إلى ذلك أن 48 حالة تحول إلى القطاع الخاص وضع الرئيس يده عليها، وأن شركتين اشتراهما ابن ليلى الطرابلسى، هذه الشركات لم تكن تدفع ضرائب، إذ كانت تقدم بيانات مغلوطة للجهات المسؤولة.

ومن ثم يتضح أن ابن على، كان يستخدم القانون لخدمة مصالحة، وكانت أسرته تخرق كل القوانين وتهربت من دفع مليار و200 مليون دولار ضرائب، وبالقطع هنا لا يمكن إغفال طرفة طرحها مصطفى نابلى، محافظ البنك المركزى التونسى الأسبق، بشأن ليلى الطرابلسى، والتى قالت لزوجها يوما ما: «أنت محظوظ لكون المستثمرين فى تونس من عائلتى وإلا ما كان هناك نموا».

والأمر لا يختلف فى إيران، إذ تهيمن 221 شركة من تلك ذات الصلة بالنفوذ السياسى على حصة السوق هناك، وكما يقول كيفان هاريس عالم الاجتماع الإيرانى، فإن هناك أشخاصا جدد يهيمنون على الوضع بإيران، وقال إنهم يتحدثون عن الشفافية لكنهم بعيدون عنها.

وفى تركيا يتم توزيع الامتيازات بشكل شخصى، على حد تعبير إمر تشاليسكان، الخبير فى السياسة الخارجية بجامعة أكسفورد، مشيرا إلى أن الحركة الإسلامية هناك استفادت من ضعف الدولة فى وقت من الأوقات.

أما إيزاك أتياس، وهو خبير تركى آخر، فإنه يرى وجود تزايد كبير بشأن عدم اليقين السياسى هناك، ومن ثم فإن أى علمانى سوف يفكر ألف مرة قبل انتقاد الحكومة التى ترتبط بالتيار الإسلامى.

ومن جانبها طرحت إسراء جوركر، الخبيرة التركية بجامعة أوكان، مجموعة من الأرقام التى تشير إلى تفشى ظاهرة المحسوبية بتركيا، وفى مقدمتها حصول 230 شركة ذات صلة بحزب العدالة والتنمية على عقود قيمتها 50 مليار دولار خلال عام واحد فقط، هو 2015 أى فى عهد الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتقول إسراء إن الشركات التى تنتمى للحزب ترتبط بالشبكات الدينية والبرلمان والإعلام، بل إن هناك أقارب من الدرجة الأولى يتولون مناصب مهمة فى تلك الشركات، وبشكل محدد فإن %40 من هؤلاء المسؤولين تابعون لحزب العدالة والتنمية و%40 أخرى أقارب للوزراء، و%20 أقارب من الدرجة الأولى لأردوغان، والخلاصة أن الشركات ذات الصلة بالحزب الحاكم دائما ما تفوز بصفقات العقود الحكومية.

بذلك تؤكد القضية محل النقاش، أن هناك خطرا يتمثل فى كون الشركات ذات الصلة بالنفوذ السياسى تحصل على عقود عمومية، وأن هناك ترتيبات مدمرة تتكرر، وكذا فإن هذه الشركات تقدم تنازلات للحصول على الامتيازات، وكما قال أحمد جلال، المدير التنفيذى لمنتدى البحوث الاقتصادية، إن الأمر يحتم اتخاذ تدابير لمنع ذلك الخطر الداهم، وطرح تساؤلا: هل هناك دولة ليست بها شركات ذات صلة بالسياسيين؟، وبالتالى لا فارق بين القطاعين العام والخاص؟ والرد: أن هذه الدولة غير موجودة، ويطرح سؤالا آخر: هل هناك نموذج مثالى للعلاقة بين الدولة ورأس المال؟ ويرد قائلا بأن الجواب هو النفى، لكن المهم هو كسر الحلقة القائمة بين الطرفين وصولا إلى صالح جميع الأطراف.

شارك الخبر مع أصدقائك