القائد الأعظم محمد على جناح (9)

شارك الخبر مع أصدقائك

الثقة
صفة لا غنى عنها
تتعدد وتتنوع صفات القادة تبعًا للقضايا التى ينهضون عليها، ولكن صفة من الصفات التى تميز بها جناح، لا غنى عنها لأى زعيم فى جميع القضايا وكل الأوقات والفروض.
تلك هى الثقة !
ثقة الزعيم بنفسه، وثقة الناس به.
فثقة الزعيم بنفسه لازمة، لأن فاقد الشىء لا يعطيه، فضلاً عن كونها عماد ما يتخذه من قرارات.
وثقة الناس به لازمة، وإلاَّ ما وضعوا فيه آمالهم ومصالحهم.
وقد اجتمع لجناح فيما يرى الأستاذ العقاد، الثقة بنفسه، والثقة به فى نفوس الناس فضلاً عن أنصاره ومؤيديه.
ثقته بنفسه
كانت ثقة جناح جزءًا من نفسه، وقوة فى طبعه، واجتمعت له كل لوازمها : كرامة، واستقلال رأى، وعزيمة لا تنثنى، وكان لديه حضور يوحى إلى الناظر باحترامه.
بهذه الكرامة عرفه النائب العام «مكفرسون» فأتاح مكتبته للمحامى الناشئ، وعرفها فيه القضاة الإنجليز، فقضى أيامه فى المحاماة موفور الكرامة عند القضاة وذوى الرئاسة فى المحاكم ومجالس التشريع.
اشتهر رئيس محكمة إنجليزى بالغطرسة وسرعة الغضب والولع بالتبكيت، وهيئ له أن يجرع «جناح» غصّة التبكيت والزجر العنيف فى قضية كبرى كان يترافع فيها أمامه، فقاطعه فى غضب وكبرياء قائلاً : «أتراك تحسب أنك تتكلم هنا أمام قاضٍ من قضاة الدرجة الثالثة ؟!».
فما توانى جناح أن قال بلهجة صارمة : «وهل الذى أمامك أيها القاضى محامٍ من الدرجة الثالثة تخاطبه بمثل هذا الكلام ؟!».
● ● ●
وعُرف «جناح» بأنه مدقق فى مواعيده يحسبها بالدقيقة، مع الصغار والكبار.
وقد تصادف لظرف اضطرارى ناتج عن تأخر المحامى الذى يترافع مع جناح فى قضية، أن دخل جناح الجلسة متأخرًا عن موعدها بسبب انتظار ذلك المحامى، وإذا بالقاضى يغتنم الفرصة للنيل من جناح بإلقاء درس عنيف فى آداب المحافظة على المواعيد.
وإذ كان المحامى الآخر المتسبب فى التأخير ابن القاضى، فإن جناح ردَّ بدوره على هذا التعنيف بأن ابن القاضى نفسه هو الذى تسبب فى هذا التأخير.
ودعاه حاكم الهند إلى مجلس يعقده فى «سملا» للمشاورة والاتفاق على حل من حلول القضية المعضلة، فلما وصل جناح، ولم يجد مركبة الحاكم العام فى انتظاره كما انتظرت المهاتما غاندى، عاد أدراجه دون أن يبالى بما يصنعه الحاكم العام الإنجليزى المتحكم آنذاك فى الزعماء والشعوب.
● ● ●
وعلى ما درج عليه البعض من تملق الجماهير، خالف جناح هذه العادة فلم يلجأ إليها، رفضًا لما لا يرضى الحق والمصلحة القومية.
ونوّه «ألان كامبل جونسون» بهذه الخصلة فى كتابه عن مهمة اللورد «مونتباين» فى القضية الهندية، فقال عن «جناح» إنه لا يتزلف الجماهير، ومزج بين التدبير المرن المصقول وبين القدرة على الانتفاع من أغلاط خصومه بإرادة حديدية وعدم الانحراف عن الغاية التى لا يحيد عنها، وأن هذه الإرادة والعزم تجليا فى قضية القضايا الكبرى : نادى بالباكستان وهو فى الستين وحققها وهو فى السبعين.
استقلال الرأى
كان استقلال الرأى الذى تجلت فيه ثقة جناح فى نفسه، صنو الكرامة، أو لعله فيما يقول الأستاذ العقاد نسخة نفسانية أخرى لكرامة بعنوان آخر.
ويرى الأستاذ العقاد أن استقلال جناح برأيه غير مستغرب مع عزة نفسه واعتداده بكرامته، فضلاً عما أوتى فى مزاجه المطبوع من أسباب كثيرة للاستقلال بالرأى والجرأة على مخالفة الشائع متى كانت مخالفته هى الواجبة.
ومن المفارقات التى نقلها الأستاذ العقاد عن «جون جنتر» صاحب الكتب العالمية عن داخل كل من أوروبا وآسيا وأمريكا، أن «جناح» هو أنحف رجل رآه أو يكاد، وهو بالفعل ما أكدته كافة صور «جناح» حتى ليهيئا للبعض أن هذا الرجل النحيف لابد أن يكون قصبة فى مهب الريح، وأن يكون عصبى المزاج.
بيد أن الرجل كان قمينًا أن يضبط أعصابه ويكبح جماحه نزولاً على مطالب الزعامة ومقتضيات السياسة، ومن الطراز الذى يعنيه الإنجليز حين يقولون عن رجل إنه بارد Cold، ويريدون بذلك أنه ثابت غير متعجل، ومن أولئك الذين يعنيهم الشرقى حين يقول عن رجل إنه رصين مكين.
وَصَفَه أحد عارفيه من الهنود : السير «جهانجير Jehangir» بأنه لا شىء يحيد به عن جادته حين يعتقد أنه سالك سبيل الحق والاستقامة والإنصاف، ولا يثنيه عن هذا الحق معارضة ولا تهديد ولا مخاطر، فهو رجل ممتلىء بالشجاعة والصلابة.
وقد نوقش «جناح» فى هذه الخصلة بكلام يشبه العتاب فقال : «إننى رجل أهتدى فى عملى بتفكير الدم البارد ( Cold blood ) والمنطق والمرانة القضائية».
كان هذا الرجل النحيل يقف وحده منفردًا برأيه بين مئات من قادة البراهمة والمسلمين، لا يتزحزح عن الحق الذى يراه، ولا يهرب من المواجهة، وقد أسعفته هذه العزيمة فيما نهض به.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »