القائد الأعظم محمد على جناح 5

شارك الخبر مع أصدقائك

تلاقت الحركة بين الجماهير والقادة فى الهند حول قضية الباكستان، مع الحوادث التى كانت تموج فى العالم الإسلامى. ولم تكن هذه الحوادث خارج الهند بأقل من حوادث الهند الداخلية، فرسمت حوادث الداخل والخارج مصير القضية، حتى صار استقلال الباكستان بحكومة منفصلة حلاًّ مفروغًا منه ومتفقًا عليه بين القادة والجماهير.

وكانت الدعوات التى ماجت فى العالم الإسلامى، على تباين أشكالها وغاياتها، رد فعل لطغيان الاستعمار الأوروبى على الأقطار الشرقية.

وكان من هذه الدعوات دعوة محمد عبد الوهاب فى نجد، ودعوة الباب والبهاء فى فارس، ودعوة القاديانى فى الهند، ودعوة السنوسى فى المغرب، ودعوة محمد أحمد المهدى فى السودان، ودعوة جمال الدين الأفغانى وتلاميذه فى كل بلد وصل إليها بشخصه أو بأفكاره ورسالته.. حدث هذا فى فارس والهند ومصر والعراق وتركيا، وأطراف من المغرب الأقصى والمشرق الأقصى إلى تخوم التركستان والصين.

أثر الدعوات الدينية

كان لكل دعوة من هذه الدعوات أثره المباشر فى البلاد الهندية، وأقبل المسلمون بالآلاف على دعوة ابن عبد الوهاب، وقام « شريعة الله » بنشر الطريقة « الفرائضية » وغايتها إيجاب الفرائض والعمل بنصوص الشريعة، وتنسب إلى هذه الطريقة وسائر الدعوات التى أخذت بالدعوة الوهابية ثورة المسلمين التى اشترك فيها أهل الهند سنة 1857 وسميت بحركة « العصيان »، وكانت لهذه الثورة أسباب أيضًا عند البراهمة لاعتقادهم أن الإنجليز سيرغمونهم على استباحة بعض المحرمات.

وقد كان ترديد الهند للدعوة الوهابية مفهومًا لكثرة الحجاج من مسلمى الهند فى كل عام، ولكن كان العجيب انتشار الثورة المهدية فى السودان؛ بين الأمم الآسيوية وحفزها القبائل للثورة على حدود الأفغان.

بيد أن الحالة النفسية التى كان عليها مسلمو الهند تفسر هذه الظاهرة، فقد حلت العقيدة الدينية فى نفوس الهنود- مسلمين وغير مسلمين- محل الغيرة الوطنية، وجاءت غاشية الحزن التى غمرت نفوس المسلمين بعد ما حل بهم- فأضافت إلى عقيدة الدين قوة على قوة.

وليس من محض المصادفة فيما يرى الأستاذ العقاد أن يكون جمال الدين الأفغانى متاخمًا للهند فى نشأته، وأول ما تطلع إليه فى دعوته.

مسألة الخلافة

كانت مسألة الخلافة أهم ما يشغل العالم الإسلامى، ولدى مسلمى الهند، وكانت الخلافة يومئذٍ فى آل عثمان بالأستانة.

بل كان أمراء الهند أنفسهم يعدون هذه الخلافة هى الثمالة الباقية من عز الإسلام ودولته الدنيوية.

ويسرد الأستاذ العقاد أنه منذ عهد الاحتلال البريطانى توجهت الأنظار إلى سلطان آل عثمان وكان فى طليعة المتوجهين إليه سلطان ميسور على مقربة من سلطنة حيدر أباد، فإنه كتب إلى « الخليفة » يبلغه حقيقة الخطر على الديار الآسيوية وينذره أن الخطر بالغ من غربها لا محالة إلى حوزة القسطنطينية، ولم يكن فى وسع الخليفة أن ينجده بالعون الذى أراده فكتب إلى نابليون يطلب هذا العون، وجاءه الجواب منه بانتظار المدد فى جيش جرار يضرب الدولة البريطانية فى مقتلها ويخلى الطريق إلى الهند من شباكها.

ولم يزل أمراء الهند فضلاً عن سواد أهلها يتطلعون إلى الخلافة العثمانية حتى زالت وانتهت بخاتم الخلفاء السلطان عبد المجيد فسعى سلطان حيدر أباد إلى التزوج من إحدى بناته فيما وُصِفَ بأنه « زواج سياسى » يمهد به السلطان حيدر أباد لنفسه إمامة المسلمين فى الهند على الأقل، إن لم تنعقد له الإمامة على العالم الإسلامى.
ولم يتفق لمسلمى الهند ما يضعف مكانة الخلافة بينهم كما اتفق للمسلمين الذين حكمتهم الدولة العثمانية فتمردوا على حكمها وتغلبت فى نفوسهم دفعة الوطنية على الولاء لحكومة ساءت سياستها وخرجت فى رأى الأكثرين من أحكام دينها، بل كان مسلمو الهند يزدادون عطفًا على دولة الخلافة كلما اشتدت بها المحن من داخلها وخارجها، وينسبون الثورات عليها أحيانًا إلى دسائس الاستعمار وغواية الدول الأجنبية بالرشاوى والوعود الكاذبة.

ودام الحال على هذا إلى أن وقع الصدام فى الحرب العالمية الأولى بين تركيا وبريطانيا فى مصر والعراق، وفى الأقطار الأخرى عن طريق الدعوة أو تحريض الإمارات الوطنية بجزيرة العرب، طموحًا إلى إقامة دولة عربية واحدة تضم إليها الأمم العربية التى كانت خاضعة لسلطان آل عثمان.

وعمد ساسة الإنجليز إلى تهوين الأمر على مسلمى الهند تارةً بقولهم إن الحملة على تركيا إنما هى حملة على جماعة تركيا الفتاة الذين اغتصبوا سلطان الخليفة، وتارةً بتوكيد العهود بأن بريطانيا العظمى لن تمس دولة الخلافة ولن تسمح بتقسيمها فى معاهدات الصلح بين الطامعين فيها.

فلما انعقدت معاهدات الصلح خابت آمال مسلمى الهند فى وعود الدولة البريطانية وأيقنوا أنهم خُدِعوا وسيقوا إلى معونتها فى هدم دولة الخلافة وتمزيق أشلائها، وأعلن زعماء المسلمين تلاميذ أحمد خان أن مسالمة الحكومة البريطانية فى الهند سياسة قد انقضى أوانها ووجب نقضها، لأن هذه الحكومة قد أخلفت وعودها للمسلمين وللبرهميين فى الشئون الدينية والسياسية، وانتهز غاندى الفرصة السانحة فجعل مسألة الخلافة من المسائل الأولى فى برنامج المؤتمر، وراح مع الأخوين محمد على وشوكت على يجوبون أنحاء الهند شاهرين الحرب على الحكومة الإنجليزية معلنين الاتحاد بين جميع الهنود على حربها ورفض التعاون معها.

رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك