القائد الأعظم محمد على جناح 14

شارك الخبر مع أصدقائك

موازنة بين غاندى وجناح

استخلص وزير إنجليزى من أحرار العمال، فيما يستفتح به الأستاذ العقاد هذا الفصل أن الهند تمضى فى طريق الحرية لأنه رأى فيها زعيمًا يملك شجاعة الرأى ويواجه بها المئات من المخالفين، ذلك هو محمد على جناح.

ويعقب الأستاذ العقاد بأن العلاقة التى لمحتها فراسة السياسى الإنجليزى الخبير علاقة صادقة، ولكن هناك علاقة أخرى أصدق منها على استعداد الهند للحرية، هى أنها احتاجت إلى زعيمين صالحين لقيادتها فى طريق الحرية، فوجدتهما فى زعامة «غاندى» فى الهند، وزعامة « جناح » فى الباكستان.

كلاهما صالح لقيادة أمته، وأداء الأمانة.

وكلاهما رسم الخطة التى تُكْرِه المستعمر على الجلاء، فتنفذت كما رسم، وإن اختلفا فيما رسماه.

وكلاهما كان مخلصًا لمبادئه، ودعوته، وفى وجهة نظره، ولهذا لزم الوجهتين قائدان يتبنى كل منهما وجهة نظره.

كان أحدهما أقرب إلى الدهاء (غاندى)، والآخر أقرب إلى الصراحة (جناح)، وكان هذا هو حكم القضيتين ووجهة النظر فى كل منهما.

كان غاندى يطلب «سيادة واحدة»، ولا معدى فى ذلك عن المحايلة والمحاولة.

وكان جناح يطلب «الانفصال» ويرفض السيادة الواحدة، ولا معدى فى ذلك عن الصراحة والمجاهرة.

فإذا كانت المقابلة بين العظماء أنفع الدراسات النفسية، ونافعة لفهم حقيقة الإنسان وفهم حقيقة الجماعات، وتقدير الأعمال الكبرى، ولذلك لا تخلو المقابلة أو الموازنة بين عظيمين من المنافع الفكرية والعملية فى جميع الأغراض.

إلاَّ أن الموازنة بين غاندى وجناح تحقق مدىً أوسع جدًا من باقى الموازنات، لأنها تكشف النقاب عن سر من أسرار التاريخ..

هل المرجع فى التاريخ لضمير الإنسان.

أم إلى المادة التى توزن أحيانًا بميزان الطعام وتوزن حينًا بميزان النقود فى الأسواق؟

ويرى الأستاذ العقاد أن المقابلة بين الزعيمين غاندى وجناح، تجيب إجابة أكثر من شافية على هذا السؤال.

فقد ولد الرجلان «فى إقليم واحد» هو إقليم «راجكوت»، ودرجا فى جيل واحد، وتكلما فى صباهما «لغة واحدة» هى «الكوجراتية».

والسن بينهما متقاربة، بل حتى فى التكوين البدنى النحيل وإن اختلفا فى طول القامة.

ودرسا كلاهما القانون فى الجامعات الإنجليزية، واشتغلا بالمحاماة أولاً ثم اشتغلا بالسياسة فى ميدان واحد هو القضية الهندية أمام الاستعمار البريطانى.

ثم حكمت «العقيدة الدينية» حكمها، فإذا بكلٍّ منهما فى طريق لا يلتقى مع طريق الآخر.

ولم يكن هذا المفترق محصورًا فقط فى برامج السياسة المتغيرة بتغير الحكومات، بل فى أطوار الفكر والمزاج.

أحدهما يقاطع الحضارة، والآخر يستزيد منها.

وهذا يرى القوة فى تحطيم الصناعة الكبرى، وذاك يرى القوة فى تأسيسها وتدعيمها.

وهذا يعوّل على المقاومة «السلبية» على شرعة الاهمسا، وذاك يعوّل على التنظيم والتأهب بالجماعات المنظمة للعمل.

هذا يسميه قومه «المهاتما الروح العظيمة، وذاك يسميه قومه «القائد الأعظم».

والرجلان على اختلاف رؤيتهما مثالان صادقان للأمتين: أمة الهند الكبرى من البرهميين، وأمة الباكستان الناشئة من المسلمين.

لم تكن «الوحدة الجغرافية» هى سبب نشأة الباكستان، فالهند والباكستان شطران من الأرض بين الشرق والغرب، يفصلهما أكثر من ألف ميل.

ولا كانت «الوحدة الاقتصادية» هى صاحبة الفعل الأكبر فى نشأة باكستان، فالسكان فى الشرق يزدحمون كل سبعمائة ميل مربع، ولا يزيدون فى الغرب على مائة فى الميل، فضلاً عن أن المحصولات الرائجة تُصنع فى غير مصانعها، ووجود بقاع لا محصولات فيها ولا صناعات.

ولم يكن جنس «السلالة» هو الفارق بين الهند والباكستان، فالأرومة واحدة والخصائص جد متقاربة.

العامل البارز هو إذن عامل «العقيدة» وحدها فى الباكستان، تختفى أو تتضاءل أمامه باقى العوامل.

ويتراءى للأستاذ العقاد أن الثابت من مراجعة التاريخ أن بلاد الهند ساحة لا نظير لها لتحرير الأصول التاريخية التى يصعب تحريرها فى أكثر بلاد العالم.

وأن تاريخ الهند قد عزل التيارات الخارجية بعد سيطرة المستعمرين على البلاد الهندية، وجعل السلطات إزاء تيارات الخارج إلى المستعمر.

ويشير الأستاذ العقاد إلى ما سبق أن أبداه فى كتابه عن المهاتما غاندى، من أن تاريخ الهند قد تكفل بعزل كثير من العوامل التى توقع اللبس فى ذهن المؤرخ فلا يدرى متى تعمل مشتركة ومتى تعمل على انفراد.

ويقفى بما اختاره وأورده بيانًا لهذا فى كتابه عن المهاتما أو الروح العظيم، ويستشهد بنصوص بعض الفقرات فى ذلك الكتاب.

ليخلص إلى أن اجتماع الهند فى وحدة تحارب الغرب المستعمر، كان بفعل الحوادث، إلاَّ أن الهند لم تكن قط وطنًا واحدًا فى أى عصر من العصور، فهى تتألف من عناصر شتى، ومذاهب شتى، ولغات شتى، ومصالح شتى، ومواقع جغرافية شتى.

ولذلك لم تجمع الهند على مطلب واحد بينها وبين كافة أبنائها، اللهم إلاَّ مقاومة الاستعمار وتحقيق الجلاء، فلما انزاح الاستعمار، كان قيام الدولتين: الهند والباكستان، نفعًا ينضام إلى النفع الذى تحقق، ويستصفى لكل منهما جهودها ويفرغها لرسالتها التى هى أقدر عليها، ويعفيهما من المنازعات الداخلية التى كانت تبدد ولا تنفع، ويفتح باب التعاون بين الدولتين إذا أرادتا فى السياسة العالمية والإنسانية.

(انتهى)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »