رجائى عطية

القائد الأعظم محمد على جناح 1

شارك الخبر مع أصدقائك

الحديث عن المهاتما غاندى وما كان له من دور عظيم فى الهند، ربما يستتبع الحديث عن القائد الأعظم محمد على جناح، المحامى السياسى القائد المؤسس لدولة باكستان، فما كتبه الأستاذ العقاد عن غاندى، يتصل على نحو بما كتبه عن محمد على جناح، وقد صدر الكتاب عن مؤسس الباكستان سنة 1952، بعد أربع سنوات من صدور الكتاب عن المهاتما غاندى، وأول ما نُشر كتاب «القائد الأعظم محمد على جناح»، كان بدار الهلال، ضمن سلسلة كتاب الهلال العدد 21 ديسمبر 1952، ولم أهتد لطبعات حديثة أو أخرى له بمصر، وإنما نُشر بالمجلد / 2 للمجموعة الكاملة لأعمال العقاد (بيروت 1981).

وقال الأستاذ العقاد فى تقديمه للكتاب، إن كلمة التقدير الموجزة التى كتبها من ثلاث سنوات يوم سمع بنعى القائد الأعظم، قد استحضرت لديه عظمة هذا الرجل، فعقد النية على الكتابة عنه فى سياق متابعته للحوادث العصرية، حيث استوفى محمد على جناح مقومات العظمة يبن زعماء الأمم ودعاة الأمم المغلوبة إلى الاستقلال.

وشرط العظمة فيما يراه الأستاذ العقاد، اجتماع همة الجبابرة من رجال العمل، مع طموح المثاليين من المؤمنين بالفكرة. وهما خصلتان ظاهرتان فيما روى من أخبار إبان جهاد جناح، فإنه تصدى بهمة عالية لتحقيق فكرته المثالية التى ظن الخبراء أنها مستحيلة التحقيق.

وكان داعم العظمة فى جناح، الخلق المكين الذى يقاوم كل إجراء ولا يتراجع أمام الوعيد.

ويذكر الأستاذ العقاد أنه قد أعياه الحصول على المراجع الوافية اللازمة ؛ وتتابع بحثه لسنوات إطلع فيها على الكتب والفصول التى كُتبت عن جناح، ومنها ما كتبه أبناء الباكستان وما كتبه المنصفون من الغربيين فى معرض الحديث عن السياسة الشرقية، ومنها كتابات غير منصفة لغربيين وشرقيين رأوا نشر أخبار الرجل من قبيل التزكية بينما أرادوا فى الحقيقة الانتقاص من قدره والقدح فيه. ثم بعد لأى تجمعت لديه المراجع للبدء فى تأليف الكتاب.

ويشير الأستاذ العقاد فى المقدمة، أنه لم يكتب عن القائد الأعظم محمد على جناح لمجرد أنه كتب سلفًا عن المهاتما غاندى تحت مسمى الروح العظيم، أو للمقابلة بالكتابة عن باكستان لقاء الكتابة عن الهند.

فهو لم يؤلف كتابه عن غاندى رعاية لدولة الهند ولا كمرجع من المراجع السياسية، ففى الكتاب ما لا يوافق الهند ولا يوافق باكستان، وإنما ألف الكتاب وفـاءً «بالحق الشخصى» لغاندى أو بحق عظمته ومغزاها فى تاريخ الإنسان.

وأن الواقع أنه انتوى الكتابة عن جناح وعن غاندى فى وقت واحد، فتيسرت له المراجع الكثيرة لكتاب غاندى، بينما لم يجمع المراجع الكاملة أو القريبة من الكاملة عن محمد على جناح إلاَّ من بضعة شهور قبل الكتابة عنه.

وأنه كما كتب عن غاندى وفاءً بعظمته الشخصية ومغزاها وأثرها، فإن الكتابة عن محمد على جناح واجبة لأنها تجلو للناس، وللشرقيين خاصة، صورة من صور العظمة الإنسانية.

أما فصول كتاب القائد الأعظم، فدارت حول: السياسى الصادق، ضرورة انفصال باكستان عن الهند، والرواد والأدباء، والعالم الإسلامى، والملتقى، وأسرة وطفولة جناح، وحياته العامة، وحياته الخاصة، والباكستان بين الماضى والحاضر، وأخيرًا موازنة بين غاندى وجناح.

سياسى صادق
نادر المثال

يشير الأستاذ العقاد إلى أن لقب جناح باللغة الكوجراتية هو «جد القائد الأعظم بجنه» أى النحيف، ولكنه اختار الاسم الشائع بين قراء العربية على طريقة العرب فى نقل كثير من الأسماء.

وينوه إلى أنه قرأ مائتى بيان للقائد الأعظم زعيم الباكستان، منها الخطب والرسائل إلى الأصدقاء والخصوم، والتصريحات فى الصحف، والمناقشات والمساجلات، ما كان مكتوبًا أو ما ارتجله، فخرج بعقيدة راسخة عن عظمة هذا الرجل، وأنه نادر المثال بين العظماء.

لم يتبين هذه العظمة من بلاغة أسلوبه، أو من قوة عقله، فهذه صفات قد تكون مشتركة مع آخرين، ولكنه تبينها من خصلة نادرةٍ جدًّا فى قادة الشعوب، وهى «الصدق الصريح فى جميع الأقوال وجميع الأحوال» !

فهو على خلاف المألوف فى قادة الشعوب الذين تكثر أقوالهم ووعودهم الطنانة وكلماتهم البراقة، وما يشبه التنويم فى خطابهم للجماهير، وقد يكون الواحد من هؤلاء غيورًا رغم ذلك على مصلحة قومه، ولا يبغى بهذه الأساليب سوى مخاطبة الناس بما تعودوه والتأثير فيهم.

ولكنه لم يجد مسحة من هذه الأساليب والألوان الخطابية فى كلمات القائد الأعظم، ولو وجدها لما انتقصت فى نظره من قدره، وإنما لاحظ فى أقواله وما كتبه خلال أربعين سنة من عنفوان صباه حتى جاوز السبعين مزية واضحة ثابتة لا تتغير، هى مزية الصدق الصريح والبسيط بلا تنميق أو تزويق.

فكل ما قرأه الأستاذ العقاد فى بياناته التى أربت على المائتين، صالح لأن يقال أمام هيئة علمية، أو أمام هيئة قضائية بعد حلف اليمين.

تساوى فى ذلك المكتوب والمرتجل.

وهذا بين أهل السياسة أمر عجيب، لرجل عظيم.

وأدعى للعجب أن الرجل نشأ على مذهب الإسماعيلية المعتدلين، وهو مذهب يُبيح للمعلم أن يصطنع التقية، وأن يخاطب الناس على درجات فى الفهم والإقناع.

بيد أن الرجل لم يمارس شيئًا من ذلك، أو يتقيد به، ولم يفارق سجيته قط فى التزام الصدق الصريح بما فطر ودرج عليه إلى أن لاقى ربه.

موقفه من الطلبة والعمال

على خلاف المألوف بين الساسة من خَطْب ود الطلبة وإرضائهم بأنهم عماد المستقبل، كما يحدث مع الطلبة الأجانب فى البلاد الإنجليزية، كان جناح يؤمن بأن الطالب يحق له الاهتمام بأمراض قومه، ولكنه لا يحق له أن يتصدى لعلاجها، وعبر عن هذه المعانى فى خطبه للطلبة التى نقل الأستاذ العقاد بعضًا منها.

ومن أقواله فى إحداها إليهم: اجتهدوا أولاً فى رياضة أنفسكم على الشعور بالتبعة والواجب، وليكن همكم بناء أخلاقكم فذلك خير من الشهادات والإجازات، وأن تربوا فى أنفسكم روح الكرامة والاستقامة والقيام بالواجب المفروض عليكم، وصدقونى عن يقين إن الباكستان لكم خالصة يوم تتمكن هذه الصفات منكم.

وفى زيارته لكلكتا فى مارس 1946 داعيًا للعصبة الإسلامية، واجهه أحد عمال الوفد العمالى بأن الناس تقول إن العصبة الإسلامية طائفة من الأغنياء لا محل بينها للفقراء، فلم يتردد فى أن يجيبه بصراحة لا التواء فيها : من هم أولئك القائمون بالعصبة ؟ إنهم ليسوا أغنياء. ودستور العصبة دستور ديمقراطى، فإن كان فى العصبة أغنياء طماعون، فلن يكون ذلك إلاَّ بضعفكم وتهاونكم، لأنكم لا تختبرون قائدكم قبل اتباعه.

شجاعته فى معارضة الجماهير

اتفق مرة عقد اجتماع مشترك بين هيئة المؤتمر وهيئة العصبة الإسلامية، اجتمعتا فيه على سياسة واحدة فى مسألة الخلافة، ولم يكن جناح على رأيهم فى الخطة التى أجمعوا عليها، فلم يتوان عن التصدى ووقف وحده يعارض المؤتمر والعصبة ومن ورائهما نحو خمسة عشر ألفًا من جموع ثائرة ملتهبة متحمسة، تصفق مأخوذة منتشية للهيئتين، ولم يبال هذا الرجل الفذ العجيب بالوقوف وحده، ولا بحياته التى يعرضها للخطر، ولا إرتضى السكوت، وإنما طفق ينقد غير هيَّاب آراء الخطباء وحماسة المجتمعين.

ومن مواقفه الشجاعة النادرة، التى يندر جدًّا أن يقدم عليها أحد من الساسة، موقفه بين المسلمين والسيخيين فى خلاف احتدم بينهم على موقع تنازعوه، حتى هاجت الفتنة بين الفريقين، فإذا بمحمد على جناح يذهب إلى الاجتماع هادئًا، واستطاع أن ينقل هذا الهدوء والسكينة إلى المجتمعين المهتاجين، فسكنت جائشتهم، ثم واجه الثائرين وبكتهم بأنهم يتعرضون لمسألة دينية بوسائل غير دينية، ليست مما ترتضيه عقيدة المسلمين ولا عقيدة السيخيين، ثم مضى يعرض المسألة المختلف عليها ويبين لهم أنها من المسائل التى يجب أن تُعرض على القضاء ليفصل فيها بالحجة والبينة، فإن ثبت أن العقار مسجد قديم فالمسلمون أولى به، وإنْ لم يثبت فشأنه شأن كل بقعة يملكها غير المسلمين.

وأبت عليه صراحته فى كل موقف، فيما يبدى الأستاذ العقاد، أن يجامل الهيجة الغالبة فى أى وقت من الأوقات، وشهد الذين خبروه من قريب ومنهم إنجليز وبراهمة ومسلمون يخاصمونه شهدوا بصراحته المستقيمة بل إن من هؤلاء من اتهم غاندى فى صراحته، ولم يخطر له قط أن يتهم صراحة محمد على جناح.
لابد إذن من سرٍّ فى هذا الرجل، أو سرٍّ فى القضية التى يتجرد لها، ولعل السر فيهما معًا، وهو ما طفق الأستاذ العقاد يستقصيه فى الصفحات التالية.

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »