رجائى عطية

الفنون والإنسان

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

من مآثر مهرجان القراءة للجميع: مكتبة الأسرة، إعادة طبع أمهات الكتب.. ومن الكتب التي وقعت عليها كتاب »إروين إدمان«: »الفنون والإنسان«، الذي ترجمه إلي العربية المترجم الكبير الأستاذ مصطفي حبيب، وقدم له الدكتور ماهر شفيق فريد.. ولا أدري هل بمستطاعك أم لا أن تعثر عليه الآن.. فإن هناك من يسارعون إلي التقاط الكتب النفيسة بالأسعار الزهيدة  (150 قرش) التي يطرحها المشروع، ويرسلونها إلي المخازن لتغلو أثمانها بمضي الزمن علي نظام »تسقيع« الأراضي!!
 
الكتاب كما يخبرنا الأستاذ ماهر شفيق فريد، قد صدرت طبعته الأولي عام 1928، ثم صدرت منه طبعة جديدةمزيدة ومنقحة عام 1939، قام بنقلها إلي العربية المترجم الكبير الأستاذ مصطفي حبيب الذي أمد المكتبة العربية بكثير من أمهات الكتب المترجمة.. أما الكتاب فإنه في رأي الناقد الكبير أفضل المداخل إلي موضوعه، وهو »مباديء التجربة الجمالية « وأيسرها متناولاً، وأجمعها لصفتين إذا اجتمعتا لكتاب في فلسفة الجمال، فإنه يكون قد أوفي علي الغاية أو كاد: الصفتان هما العمق والوضوح، وقليلا ما تجتمعان. والمحصلة النهائية هي زيادة المعرفة بالقاسم المشترك الذي يجمع بين فنون الشعر والتصوير والنحت والمعمار والموسيقي، لتنتهي إلي مسك الختام الذي يربط الفنون كلها بالفلسفة.
 
نعم إن الفنون »لا تطعم فما«، ولكنها غذاء الروح، وقوت الأرواح لا يقل شأنا عن قوت  الأبدان. لذلك فإن معرفة الفن لا تقل أهمية عن الدين والعلم، ذلك أن موضوعه هو الخبرة الإنسانية بأسرها.
 
عند إروين إدمان أن وظيفة النقد هي توضيح وتجلية التجربة الفنية وتفسيرها. والفن ليس محاكاة لواقع خارجي، وإنما هو إبداع جديد ، فالرسام والمصور لا يسعي لتقديم نسخة طبق الأصل من الواقع، كما أن الموسيقي ليست إعادة إنتاج لأحداث الطبيعة أو الكائنات، حتي وإن حاكت بعض الآلات الموسيقية أصوات أو تأثيرات مستمدة من الطبيعة كهزيم الرعد أو ترقرق الماء أو شدو الطيور.. ذلك أن التأثيرات الوجدانية للموسيقي لا تتم بمثل هذه المحاكاة.. مؤدي هذا أن معني الموسيقي كامن في حركاتها، غير قابل للتفسير بغير وسيطها النغمي.
 
فصول الكتاب ستة بعد مقدمة المؤلف: الفن والتجربة، الفن والحضارة، العالم والكلمة والشاعر، والشيء والعين والفنون التشكيلية، الأصوات والآذان والموسيقي، وأخيرا الفن والفلسفة.
 
يستهدف الكتاب، فيما يقول مؤلفه، أن يكون مقدمة مختصرة لعلم الجمال.. لا من حيث المنطق الجدلي، وإنما بإمعان الفكر في الفنون التي تنشأ عنها الصور الجمالية، وفي التجربة التي تنمو منها الفنون وتجلو التجربة بدورها وتعليها.
 
فمهما تكون الحياة، فإنها تجربة فيض من فيوض الزمان، واستغراق لتعدد الألوان في الأبدية.. هذه التجربة قد تكون بسيطة كما عند الأطفال والبسطاء، وقد تكون معقدة كما عند العالم والشاعر أو رجل الأعمال.. ولكنها علي تفاوتها ومراحلها، ليست بين الولادة والممات، سوي مؤثر واستجابة للكائن الحي.. تتمثل في خمس حواس صغيرة تنتفض بالبهجة والسرور.. قد تبدو لنا بلا غرض، وقد تبدو ذات قصد ، قد تكون حجابا وقد تكون كشفا لشيء خلف التجربة.. وهْمًا رتيباً زائلاً، أو كابوساً أو حلماً.. ومهما يكن مما تنذر به التجربة أو تعنيه، أو تحجبه أو تكشف عنه، فإنها موجودة قد تزداد حدة وقوة، أو تغمض وتلتبس.. قد تظل عجماء معتمة مشوشة لا نظام لها، وقد تصبح ذات مغزي وقصد، واضحة وحية. وهذا النظر بمثل هذه الحدة والوضوح في التجربة هو مجال الفن ومبحثه.
 
إن فن الحياة إلهام ونبوءة وليس تاريخاً أو حقيقة.. وبقدر ما يكون للحياة شكل، تكون فنا.. ودولة الفن تماثل الجمال الذي يعمل الإنسان فيه سيطرته المتبصرة الحازمة علي عالم المادة والحركة، وعلي عالم الخفقات العشوائية الداخلية والعمليات التلقائية التي تؤلف كيانه الداخلي.
 
فنون الرسم والنحت والموسيقي والشعر ـ تنطوي علي انتفاع جميل وبين بالمواد، ونجد فيها تجربتنا الجمالية أقوي وأنقي ما تكون، ولكن حينما تتخذ المادة شكلا والحركة اتجاها والحياة خطا وتكوينا، فهنا يكون لدينا عقل وإدارك، وتتحول الفوضي (اللاّ تكون) إلي نظام نفسي ومرغوب هو الذي نسميه الفن.
 
كثيرا ما شبهت الحياة بأنها حلم يقظان، ولكن قدراً  يسيرا منها هو الذي يتسم بالوضوح، وكذلك  الجزء الأكبر من التجربة لدي غالبية الناس،  قد تكون مشوشة غير متناسقة وفظيعة أحيانا، ولكن التعرض لهذه المثيرات هو الذي يحفز علي الشعور والفكر. وهنا يكن المحز: كيف يتم التحول أو الانتقال من الدوافع اللاإرادية إلي الاستجابات غير الخاضعة لضابط أو رابط؟ كيف يعيد الفنان تشكيل التجربة وتحويلها إلي شيء وادع حاد، مستأنس ومستغرب في نفس الوقت؟ وما الدور الذي تلعبه الفنون في تجربتنا وما الذي يضفي عليها ما فيها من إغراء وبهجة؟
 
من أهم وظائف الفنان أن يجعل التجربة أخّاذة بأن يمنحها الحياة. الفنان سواء أكان شاعراً أم رساماً أم مثالاً أم مهندسا معماريا ـ يتناول الأشعار كما يتناول الشاعر والقصاص الأحداث علي نحو يجبر العين علي التوقف ونشدان المتعة في الرؤية، كما يجبر الآذان علي الإستماع، والعقل علي لذة الاكتشاف لذاته دون سعي إلي نفع. عندئذ لا يصبح المقعد مجرد إشارة لراغب في الجلوس أو الوجه المعبر مجرد شيء يغري، بل يصبح هذا أو ذاك ـ بؤرة لون  وشكل يتخذ في الرسم مغزي تصويريا، أو يصبح الوجه شيئا يستحق النظر إليه من حيث كونه قد صار ذا أهمية تصويرية يرضي ويثير في آن واحد.
 
فإذا كان الرسامون يتحدثون أحيانا عن البقع الخامدة التي لا حياة لها في التصوير، فكذلك شأن التجربة.. هي كذلك مليئة بتلك البقع الخامدة، ولكن الفن يمنحها الحياة. فالفن الجامع من شأنه أن يجعل الوجود كله ينبض بالحياة، وتصبح تفاصيل الإنفعال والمعاناة اليومية بهيجة جديرة بالتذوق الجمالي.
 
توجد آلاف الأسباب التي تدعو الفنان ومحب الجمال للهروب إلي الفنون الجميلة، وقد لوحظ أن الفنانين كثيرا ما يعجزون عن مواجهة مطالب الحياة المادية التي تبدو لهم مشاكلها كليلة أو محيرة، بينما عقولهم مدربة علي التكيف مع دائرة واحدة جميلة بقدر ماهي صغيرة.  ومع ذلك لا يجب أن نشعر بالدهشة  حين نري الفنان غير خبير بأمور الدنيا وشواغلها،  وينظر إليها في بعض الأحيان علي أن شواغلها حماقة وجنون. فماذا في وسع عقل معدنه ثمين، صعب الإرضاء، أن يفعل إزاء ما في الأحداث أحيانا من سماجة وغلظة؟ وماذا تصنع روح الفنان ـ التي تري التنافر شرا ـ في منابذات السياسة والأخلاق؟
 
قد يسهل علينا الاستنتاج حين نتأمل في خيال وإبداع الفنانين، في الموسيقي والشعر والتصوير والرواية، وحين نلحظ أن الدوافع التي يرتكز إليها قوام الفنان الرومانسي هي بنفسها التي تدخل في تكوين التذوق الرومانسي.
 
ولا جدال في أن الفنون الجميلة تجتمع فيها القدرة علي منح المتلقي سلام الجمال وهروب  الانعزال. ومع ذلك فالنظرية القائلة بأن الفن هروب، لا تأخذ في اعتبارها كثيرا مما يصدق علي التجربة الجمالية، بل هي تحط من قيمة مظاهر الاستمتاع والإنتاج الجمالي التي تتميز بالخصب والإيجابية. ذلك أن جزءا من المتعة الجمالية يكمن في أداء الحياة التي نعرفها والطبيعة التي في طبيعتنا في صورة واضحة وكاشفة.
 
إن وظيفة الفنان ونجاح العمل الفني ـ تقاس جزئيا، بالقدر الذي تصبح فيه حواسنا لا مجرد إشارات للعقل، وإنما للإيحاء بالمحسوس والملموس والإبانة عنهما، وهكذا  تزداد التجربة في الفنون الجميلة  ثباتا ورسوخا وحدة عن طريق استيلائها علي الأحاسيس والمشاعر.
 
وبعد، فقد كان في نيتي حين أمسكت القلم، أن أعرض لك ما جاء بالكتاب، فوجدت نفسي لاأزال غارقا رغم هذه السطور في فصله الأول الممتع عن الفن والتجربة، فأرجو أن تأذن لي باستكمال الحديث عن باقي فصول هذا الكتاب الرائع.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »