رجائى عطية

الفنون والإنسان‮ (‬2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لم أقطع رغم طول السطور، سوي الفصل الأول عن الفن والتجربة من كتاب إروين إدمان: »الفنون والإنسان«، ترجمة الأستاذ مصطفي حبيب.. بعد هذا الفصل تحدث إروين إدمان عن الفن والحضارة، وتناول فيه أصول العلاقات العامة للفن، من عبارة أرسطو يبدأ.. إنه يمكن إدراك معني الفن علي خير وجه إذا قورن بالطبيعة، وإن الفن ذكاء إنساني يقوم بدوره فوق مسرح الطبيعة ويحركها في صدق وإخلاص إلي تحقيق أهداف إنسانيته، فإذا كانت الحضارة تتلاقي مع الذكاء والعقل الكامل، فإن الحياة في مثل هذه الحالة قد تناظر الفن.
 
لقد حدث في المراحل الأولي لتاريخ الحياة الإنسانية أن أخذ العقل (الذكاء) مكان الاستجابة الحيوانية المجردة، وبدأ الفن يوجه الطبيعة من جديد، فكانت الأمثلة الأصيلة الأساسية لذلك الفن الذي سخره الإنسان في بادئ الأمر للحصول علي الغذاء والمأوي، وفي عالم مليء بالمخاطر والشكوك ـ كان علي الإنسان أن يتعلم كيف يعيش قبل أن يتعلم كيف يحب حياة جميلة، أو يشغل ذاته ـ مثلاً ـ بخلق أشياء جميلة، ومع ذلك فلا يخطئ أحد أن صناعة الأواني والسلال لم تخل من التصميم، وأن جدران الكهوف زينها الإنسان الأول بالرسوم أو بما يشبه الرسوم.
 
    علي أنه سواء كانت الفنون الصناعية هي التي سبقت الفنون الجميلة إلي الظهور، أم أنها جاءت معها، فإنه لابد من التمييز بينهما علي أساس تحليلي، وأول ما يصادفنا هو ما نتلقاه في الحضارة المعاصرة من بعض الفنون »الخادمة« و»الوسيلية« و»الصناعية« ـ الواضحة كل الوضوح في طبيعتها، وتركيز الحضارة الصناعية علي المنفعة أكثر من تركيزها علي الجمال إنسياقاً للإنتاج الكمي، هو من ضمن أسباب عدم توافر الجمال في كل بيت، والفرق الدقيق بين الفنون الجميلة وبين ما هو مجرد مفيد أو صناعي، هو أن الأولي تقدم إحساساً بالرضا المباشر، علي حين أن الأخيرة تقدم الوسائل لمباهج أخري مرضية.
 
فقد مرت بالعلم عصور سعيدة كان فيها الفصل بين المنفعة والجمال أقل حدة. ففي أوروبا ستة متاحف تمتلئ أبهاء كاملة منها بحلي دقيقة تمثل الحياة الإغريقية اليومية، ومع أن الغرض منها كان للاستعمال، فإن عين الإنسان العصري المولعة بالجمال لا يتجه اهتمامها الأول إلي وظيفتها وإنما إلي كمالها الزخرفي، وقد كانت عمائر عصر النهضة من كنائس ودور للقضاء وقصور.. يُقصد بها أن تكون للسكني، كما أنتج بالعصر الوسيط كنائس كانت من روائع الفن وأماكن للعبادة في الوقت ذاته.
 
هذه الأمثلة تدعم الحجة القائلة بأن الفن السليم لا انفصام فيه بين الغاية والوسيلة، أو بين الوسيلي والجميل، غير أن الانفصال بين المفيد والجميل في بعض الفنون، خصوصاً في عصرنا الحالي، يتم بطريقة أسهل، وظهرت في مقابلة الحركة التي يطلق عليها »الفن للفن«، وكانت وجهة النظر القائلة بأن الفنون لا شأن لها بأي التزام اجتماعي أو أخلاقي أو عملي، جزءاً من ثورة علي البيئة الصناعية التي كانت تمدنا بمادية الفكر التي كانت تكسب الكون لونه وبريقه وقيمه الروحية.
 
ومن اليسير أن ندرك إلي أي مدي يذهب بنا الفصل بين الجميل النافع، وما يؤدي إليه من قيام حضارة عملية لا تبالي بالجمال الحسي أو الطلاوة، بينما هو يؤدي من ناحية أخري إلي انتاج الأعمال المتأنقة بالزخارف الجوفاء البريئة من النضارة المطلوبة لمحب الجمال.
 
ولأن الفنون كانت في شكل ما، شروداً ـ مقتضباً ـ عما تواضع عليه البعض من إعلاء العقل في كل شيء، فإن عدداً من فلاسفة الأخلاق ـ ومن بينهم القديس أوجستين ـ قد صبوا جام غضبهم علي الفنون، وركزوا في هجومهم علي الجانب الحسي الذي رأوا أن الفنون يمكن ان تجرف الناس إليه، وقال أوجستين إن الفنون قد جعلت الناس يهتمون بأمجاد الأرض بدلاً من أن تدفعهم إلي تذكر أمجاد خالقها.
 
قال الأخلاقيون أمثال أفلاطون وتولستوي، إنه لا يمكن معرفة المدي الذي يمكن أن يندفع إليه المفتون بحواسه حين تنتبه، وأقر فلاسفة الأخلاق دائماً ـ علي كره منهم ـ بتأثير أي فن من الفنون علي حواس الإنسان المستثارة المستهلكة المستغرقة، وقبل أن ينشر أساتذة التحليل النفسي أفكارهم عن إشاعات الجنس الملتوية، كان الأخلاقيون المسيحيون يرون أن الحواس مغشاة بخمار من الشعور الجنسي، ومن ثم أن التحفز الحسي يعني كذلك تنبهاً جنسياً.
 
غير أن الإستدلالات التي يصلون إليها ـ فيما يقول إروين إدمان ـ ذات طابع يبعث علي المزيد من الشك، وأنه بالنسبة لجيلٍ تخلي علي الأقل عن اجتياز تخوم العالم المتلهبة إبتغاء إدراك الحياة الملموسة الآن، فإن الاتهام القائل بأن الفنون تخاطب الحواس ـ يفقد حدته وركيزته، ويتساءل الكاتب ميزفيلد Masefield قائلاً : »ما الذي نُعطاه ؟ وما الذي نأخذه«؟ ثم يرد بقوله : »خمس حواس صغيرة تحفل إنشراحاً وبهجةً«. إن كل لوحة أو مؤلف موسيقي يستطيع أن يوقظنا علي الأوجه اللانهائية المتعددة لتجربتنا بطريقة أبهي وأدق، وذلك يرهف الحياة، ويجعلها أكثر حيوية وتحفزاً.
 
أن تخشي الفنون لأن مضمونها أو أساس جاذبيتها جنسي جزئياً، معناه أننا نرهب خفقةً أو دفعة لم يعد التفكير ينظر إليها بذلك التظاهر بالرعب والشك، وفي المقابل فإن تهذيب الشعور والعاطفة والفكر الذي تهدف إليه أغلب المذاهب الأخلاقية، يبدأ بالحواس، والفنون تتجه في المقام الأول إلي تصفية التجربة الحسية وتهذيبها.
 
أما القول بأن الفنون غير عملية وليست مقبولة، فإنه ليس إلا تعليق علي مدي بعدنا عن هذا الجانب من الفردوس الذي تحققه الفنون. نشاط الفنان المبهج ومتع التذوق، كلاهما دليل علي ما يمكن أن يؤدي إليه نظام اجتماعي سليم من سماح وشمول، وحينذاك يصبح العمل فناً بدرجة أكثر عمومية مما هو الآن.
 
باقي الفصول التالية للكتاب، تعمد إلي شرح الأساليب الخاصة التي تتاح للفنون كل بوسيلته : العالم والكلمة والشاعر، الشيء والعين والفنون التشكيلية، الأصوات والآذان والموسيقي، وتتجمع من خلالها أهداف توضيح وإحياء وتوحيد التجربة الفنية.. فالكلمات في الشعر أصوات موسيقية ورموز منطقية وإشارات وجدانية، والقصيدة هي الكلمة وقد صارت جسداً، والخبرة الفنية لا تقل عمقاً عن أي خبرة فكرية وروحية أخري، بل ربما زادت عليها أنها أقرب إلي ينابيع الشعور والوجدان، وأقدر علي تجاوز حدود اللغات والثقافات والأزمنة والأمكنة.
 
في الفن والفلسفة، وكما يوضح إدمان، لا توجد خصومة بين الفنون والفلسفة، ولا بينها وبين الشعر.. فللفكر مكانه في القصيدة كالوجدان سواء بسواء، والأدب الرفيع لم يخل قط من عنصر التفكير، يشهد علي ذلك ما استشهد به الدكتور ماهر شفيق في تقديمه من إشارة لمقدمة العقاد لديوانه »بعد الأعاصير«، من أغاني شكسبير، وقصة فاوست، ورباعيات الخيام، وأشعار المتنبي.. فنشيد الرعاة ـ وجدان، وألحان فاجنر ـ وجدان، ولكن الفرق بين الوجدانين كأبعد فرق بين شيئين يوجدان في طبيعة الإنسان، نقص الفكر ليس بزيادة في الحس والوجدان، كما أن زيادة الفكر لا تمنع الإنسان أن يحس وأن يتسع وجدانه لأوسع آفاق الحياة.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »