عقـــارات

«الفقاعة العقارية».. وصفة عاجلة ووحيدة لمنعها من الانفجار

أيمن عبدالحفيظ:   جدل شديد متعدد المحاور يدور بين المعنيين بالشأن العقاري حول «نقاط النهاية» التي ستصل إليها السوق بالنسبة لعدة تساؤلات بالغة الأهمية ومطروحة بقوة علي الساحة أولها:    ما هو الاتجاه الأكثر ترجيحا لمستويات الأسعار وما إذا كانت…

شارك الخبر مع أصدقائك

أيمن عبدالحفيظ:
 
جدل شديد متعدد المحاور يدور بين المعنيين بالشأن العقاري حول «نقاط النهاية» التي ستصل إليها السوق بالنسبة لعدة تساؤلات بالغة الأهمية ومطروحة بقوة علي الساحة أولها:

 
 ما هو الاتجاه الأكثر ترجيحا لمستويات الأسعار وما إذا كانت الفقاعة العقارية  قد وصلت بالفعل إلي حدها الأقصي أو علي الأقل اقتربت منه؟ وهل من الممكن ان تنفجر  هذه الفقاعة قريبا وما هي الحدود  التي ستتناثر فيها شظاياها؟
 
أما ثاني أهم المحاور التي يبدو حولها الجدل فيتمثل في كون بعض الاجراءات التي اتخذتها الحكومة قد لعبت دورا مباشرا في تكوين  هذه الفقاعة وماصاحبها من ارتفاعات سعرية ضخمة لمعظم أنواع العقارات خلال الفترة القليلة الماضية؟
 
المسلم به ان مصر شهدت خلال الستة عشر شهرا الماضية أكبر موجة مد استثماري باتجاه القطاع العقاري منذ بضعة عقود وتنوعت  هذه التدفقات ما بين استثمارات محلية وعربية ارتفعت علي اثرها أسعار أسهم الشركات العقارية  المدرجة في البورصة بصورة كبيرة وتبعها اقبال شديد من جانب الأفراد علي الاستثمار قصير «الأجل» في العقارات بغرض المضاربة  وهنا يأتي الجانب السيئ لهذه الاستثمارات الأجنبية  التي تعول عليها الدولة  أساسا في حل جانب من قضية البطالة التي تشغلها باعتبار ان سياستها في جذب الاستثمارات تقوم علي «التشغيل» غير ان الحكومة غاب عنها فيما يبدو الآثار السلبية التي قد تنعكس علي القطاع العقاري  وضرورة السيطرة علي الارتفاعات المتتالية في الأسعار بشكل تضخمي لا يعبر عن واقع القطاع ويزيد من الفجوة الواضحة بين العرض والطلب.
 
وقد تعرضت أسعار العقارات  والأراضي مؤخرا إلي موجة ارتفاع غير عادية خاصة خلال فترة الـ 12 شهرا الماضية اثر توجه هيئة المجتمعات العمرانية المسئولة عن ادارة أراضي المدن الجديدة المنتشرة حول المدن القديمة لاعتماد المزايدة بين الشركات العقارية والسياحية أسلوبا لبيع الأراضي وتركزت الارتفاعات بشكل  كبير في المدن المحيطة في القاهرة الكبري التي تضم العاصمة ومحافظتي الجيزة والقليوبية  كمدن 6 أكتوبر والشيخ زايد والقاهرة الجديدة.
 
لقد تراوح سعر المتر المربع في المدن الثلاث السابقة نحو ثلاثة آلاف جنيه مقابل 1200 جنيه  تقريبا قبل عام من الآن وارتفع سعر المتر المربع في ضاحية المقطم التي اشترت فيها شركة «اعمار»  الاماراتية 4 ملايين متر مربع تقوم بتطويرها حاليا من ألف جنيه إلي حوالي أربعة آلاف جنيه للمتر المربع، وبدأت السوق تشهد موجة ارتفاعات جديدة بعد الاعلان عن الأسعار التي أرسيت بها قطع الأراضي الست التي طرحتها وزارة الإسكان بنظام المزايدة في المدن الجديدة والتي بلغ سعر متر  الأرض في احدي القطع المخصصة منها للمشروعات الادارية  والترفيهية والتجارية 4 آلاف جنيه للمتر المربع الواحد  وتراوحت أراضي الاسكان ما بين 800 جنيه وألفي جنيه للمتر المربع مع وجود اشتراطات تحدد النسبة  المسموح بالبناء فيها بـ 20% فقط من المساحة.
 
علي الجانب الآخر يقف عدد من أبرز الخبراء الذين يحذرون من تسارع خطا القطاع العقاري إلي حافة انفجار الفقاعة ومنهم المهندس حسين صبور مؤسس بيت الخبرة الاستشاري الهندسي ذائع الصيت ورئيس شركة الأهلي للتنمية العقارية التي تعد ذراع البنك الأهلي في القطاع العقاري ويري صبور ان عددا من العوامل تداخلت لتسهم في الصعود القوي الذي يشهده السوق المصري حاليا في مقدمتها توسع وزارة الاسكان في طرح قطع الأراضي علي الشركات بنظام المزايدة الأمر الذي يرفع أسعار الأراضي بشكل مبالغ فيه ويزيد من عدد الوحدات الفاخرة بشكل كبير جدا في الوقت الذي تعاني منه حتي الآن من الآثار السلبية للتوسع غير المحسوب في هذه النوعية من البناء في عقد التسعينيات من القرن الماضي يضاف إلي ذلك كما يقول المهندس صبور تراكم المديونيات علي الشركات التي اتجهت بكامل قوتها للاستثمار في القطاع والاعتماد علي القروض المصرفية دون التخطيط لكيفية تسويق هذه الوحدات ودراسة السوق بطريقة جيدة واصفا هذه الظاهرة باندفاع «القطيع».
 
وقدرت دراسة أعدتها احدي شركات تداول الأوراق المالية مؤخرا حجم الانفاق الاستثماري علي العقارات في مصر خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي بنحو 130 مليار جنيه اتجه معظمها لوحدات سكنية وتجارية فاخرة لا يزال جزء كبير منها شاغرا ولم يستكمل بناؤه لضعف دراسات الجدوي التي تم الاعتماد عليها آنذاك من جانب من تم وصفهم بـ «الغرباء» علي القطاع وتوقف المراقبون في هذا السياق عند نموذج رجل الأعمال الشهير أحمد بهجت الذي أجري قبل عامين تسوية مع البنوك العامة بنحو 3 مليارات جنيه دخلت المصارف الدائنة علي اثرها في مجالس ادارة الشركات وسيطرت علي مقاليد الأمور في ادارتها.
 
وبينما تمكن عدد من الشركات العربية والمحلية الكبري من الحصول خلال الـ 16 شهرا الماضية علي قطع أراض ضخمة من وزارة الاسكان لبناء مشروعات كبري اتجهت الوزارة المسئولة عن ادارة أراضي الدولة إلي طرح مزايدات لبيع قطع أراض ضخمة أخري كان آخرها مزايدة نظمتها لبيع 8 قطع تبلغ مساحتها الاجمالية نحو 28 مليون متر مربع تلقت بشأنها يوم 4 ابريل الماضي 59 عرضا من جانب شركات عربية عملاقة ومحلية كبري دخلت في تحالفات مع شركات عربية لتتمكن من المنافسة المالية ومن المتوقع وفقا لمصادر قريبة من عدد الشركات المتنافسة  ان يزيد سعر المتر بالنسبة للقطع متوسطة وصغيرة المساحة المخصصة للأنشطة  التجارية  والمشروعات الاستثمارية إلي ما يتراوح بين 1500 و  3000 جنيه مقابل نحو 120 جنيها بالنسبة للمتر في  القطع الثلاث الكبري تتراوح مساحتها بين 1500 و1980 فدانا المخصصة  للمشروعات العمرانية المتكاملة ويأتي ذلك بعد ان نظمت الوزارة عدة مزايدات لبيع قطع أراض أصغر في المساحة أدت لرفع الأسعار إلي  مستويات أكبر.
 
وأدي دخول شركة إعمار الاماراتية السوق المصرية في نهاية عام 2005 إلي تسليط الضوء بشدة  علي القطاع العقاري المحلي بعد ان توسعت فيه بقوة في فترة قصيرة وحصلت علي قطعتي أرض بدأت فيهما مشروعين علي مساحات 4 ملايين و 6 ملايين متر مربع مما دفع الأسعار للارتفاع بشكل حاد خاصة  في المناطق المحيطة بهذين المشروعين يضاف إلي ذلك توافد المزيد من  الشركات العربية  الكبري مثل داماك الاماراتية  التي حصلت علي 30 مليون متر مربع في خليج غامشا علي ساحل البحر الأحمر والتي تعتزم استثمار حوالي 16 مليار دولار في المشروع وتضم القائمة كذلك  السعودية للتطوير العقاري ومجموعة الطيار السعودية ومجموعة الفطيم الاماراتية التي بدأت في تطوير نحو 7 ملايين متر مربع باحدي المدن الجديدة باستثمارات كبيرة وكذلك شركة ايفاد الكويتية وأخيرا شركة بروة القطرية التي فازت بحوالي 8.4 مليون متر مربع في المزايدة الأخيرة.
 
وأكد د. فخري الفقي مساعد المدير التنفيذي الأسبق بصندوق النقد الدولي والأستاذ بكلية  الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ان الفقاعة العقارية تكونت في مصر بالفعل بعد ان توافرت جميع أسبابها والمتمثلة في السيولة الجارفة القادمة من منطقة الخليج  نظرا لضعف القدرة الاستيعابية لدول مجلس التعاون الخليجي بالنظر للتعداد السكاني يضاف إلي ذلك نقص المعروض من المنتج  العقاري سواء بالنسبة للوحدات  السكنية أو الأراضي المرفقة خاصة ان المعروض من العقارات الذي تكون لدي الشركات في فترة الركود الذي أصاب القطاع بين عامي 1997و 2003 بدأ في التراجع بشدة بينما تتراجع معدلات نموه نسبيا مقابل الطلب المرتفع.
 
وأضاف د. الفقي ان العاملين السابقين -بالاضافة إلي تراجع البورصات  العربية والمصرية- أديا لظهور المضاربين الذين نشطوا بقوة نتيجة ندرة المعروض حيث زاد الاتجاه للشراء بغرض اعادة البيع للحصول علي فارق السعر مما رفع الأسعار بصورة غير مبررة.
 
ورهن الخبير الاقتصادي عدم انفجارالفقاعة العقارية في مصر بالعمل علي زيادة حجم المعروض من الأراضي المرفقة فدور الدولة من وجهة نظره يتمثل في ترفيق الأراضي كما يتوجب علي الحكومة -كما يؤكد الفقي- ان تتوقف عن لعب دور تاجر الأراضي في اشارة منه إلي المزايدات التي تجريها وزارة الاسكان لبيع قطع الأراضي حيث رأي ان هذه المزايدات تعد بمثابة تأكيد رسمي علي ندرة المعروض وسعي الدولة لزيادة حصيلتها ورفع ثمن السلعة التي تبيعها دون النظر للانعكاسات السلبية لهذه الممارسات علي السوق وأكد أهمية وخطورة الدور الواضح الذي لعبته ومازالت الحكومة في تكوين الفقاعة.
 
وأشار د. الفقي إلي الدور الذي تلعبه الأحداث السياسية العالمية والاقليمية علي الأسواق وتوقع ان يؤدي الانسحاب الأمريكي من العراق خلال عامين علي الأكثر إلي تراجع معدلات السيولة في الأسواق  اثر تراجع أسعار البترول وسيادة الفوضي ما لم تتخذ أمريكا الاجراءات اللازمة لتأمين المنطقة.
 
وتتداخل في تكوين الفقاعة العقارية عدة عوامل أخري لها علاقة بمدي التناسب بين معدلات وأنماط الطلب والعرض حيث قدر د. فخري الفقي -الذي عمل أيضا لعدة سنوات مستشارا لرئيس هيئة التمويل العقاري- اتجاهات الطلب علي المساكن في مصر بواقع 70% للاسكان المتوسط والاقتصادي و30%   للفاخر بينما يزيد حجم المعروض الحالي والمنتظر بناؤه خلال الأعوام القليلة المقبلة من العقارات الفاخرة علي 70%  بينما لا يزيد المعروض من الوحدات المتوسطة ومنخفضة التكلفة علي 30%.

 
في حين شدد د. شريف حافظ رئيس شركة ماسبيرو للتنمية العقارية وأحد خبراء المقاولات علي ان أسعار العقارات ارتفعت في الآونة الأخيرة ارتفاعا قياسيا وأنه للحفاظ علي هذا المستوي العالي من أسعار العقارات حسب القوانين الاقتصادية السارية في العالم الصناعي فإنه لابد من استمرار تدفق رؤوس الأموال الخارجية واستمرار النمو الاقتصادي العام واستمرار الزيادة في عدد السكان.

 
وأوضح ان التعريف الكلاسيكي للفقاعة هو اندفاع الأفراد للشراء علي أمل «خادع» من حيث مسار الأسعار المستقبلية فيشترون طمعا في البيع بأسعار أعلي في المستقبل بل الاقتراض من أجل  الشراء بغرض المضاربة.

 
ورأي  د. حافظ ان دورة الاقتصاد لابد ان تكتمل بدءا من حالة النشاط التي نعيشها إلي حالة الكساد وان المهارة تكمن في محاولة التقليل من آثار الكساد بمحاولة جذب  مستثمرين ومشترين من الخليجيين  والأجانب لتزداد قاعدة ا لمشترين بالاضافة إلي تفعيل الطلب علي  العقارات بين المصريين عن طريق  عدة آليات كالتمويل العقاري التي تمكن الأفراد من امتلاك الوحدات وتقسيط ثمنها علي فترات طويلة وبذلك يحافظ قطاع التشييد علي  انتعاشه لأطول فترة ممكنة.
 
وأكد د. حافظ ان استثمارات العرب والخليجيين في السوق العقارية المصرية ستمثل عاملا جوهريا في التخفيف من حالة الكساد المتوقعة فضلا عما تمثله من فارق أساسي في توصيف الحالة  التي عاني منها القطاع في نهاية فترة التسعينيات ففي حالة الكساد الأولي لم تكن هناك استثمارات أجنبية  تذكر وكانت للأموال المصرية حدود معينة لا تتجاوزها فحجم السيولة ب مصر كان حوالي 400 مليار  جنيه منها 300 مليار جنيه تركزت في المباني فقط وهي أموال معطلة حتي يتم استعادتها في صورة زيادة في الأسعار بينما تتزايد حاليا الأموال الوافدة من الخارج بشكل منتظم ومن المؤكد ان يؤدي استمرارها إلي تجاوز أي كساد نظرا لوجود  الأموال المصرية بالفعل داخل السوق في قطاعات استثمارية أخري.

شارك الخبر مع أصدقائك