رجائى عطية

الفطرة الإنسانية، والاتجاه إلي الله

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تكثر في الزمن الحاضر، كما
كثرت سلفا ويتوقع كثرتها في المستقبل.. كثرت الدعوات الإسلامية، بيد أنها
تفقد حيويتها ونفعها وإقناعها ـ إذا لم تفلح في لفت المسلمين إلي دورهم
ودور الإسلام في نفع الإنسانية كلها.. فليس من المنطق، ولا هو في مقدور
المسلمين، أن يستقلوا بمصير منفصل عن مصير الإنسانية.

يلفت محمد عبد
الله محمد إلي أن من يراجع اتجاه إبراهيم الخليل عليه السلام ـ إلي الخالق
ـ يلاحظ ملازمته هو للخالق عز وجل، ومن يتأمل في مقتضيات هذه الملازمة
يدرك أنه من المستحيل مع الإحساس بها ـ أن يتمرد الآدمي علي خالقه، ومن
أسخف السخافات أن يأتي هذا التمرد باستخدام المخلوق ذات ما ركبه فيه خالقه
وأعطاه له.. فهذه رعونة سخيفة وخفة عقل مصيرهما الحتمي إلي الانهزام
والقهر!

ومن هنا كانت صفات القهار والمنتقم والجبار وأمثالها التي
يصف بها الكتاب المجيد الخالق تبارك وتعالي، كانت تنبيها وتذكيرًا لا غني
عنهما لهؤلاء السخفاء خفاف العقول !

إن تسليم إبراهيم للخالق ليس
رضوخا لما يعجز الإنسان عن تغييره كالحر والبرد والمطر، مما ترضخ له
الإرادة الإنسانية لأنها لا تملك حيلة ولا وسيلة لمقاومته، وإنما كان تسليم
إبراهيم تسليما لله عز وجل وتلبية راضية من قلب صادق مصادق، يعطي نفسه بلا
شرط ولا مقابل ولا تحفظ، لمعني التلبية: »لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك
لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك«.

إن ملّة إبراهيم، وهي ملّة
محمد، عليهما الصلاة والسلام، قد فتحت أبواب الله لكافة الناس.. للإنسان من
حيث هو إنسان.. لا لكونه صاحب علم أو فكر أو فلسفة.. فالفطرة الإنسانية هي
الأساس والحال والمآل.. يتجلي ذلك في قوله عز من قائل: »فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا
لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيمُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يعْلَمُونَ« (الروم 30 ).

إن الإنسان يشعر
بإنسانيته حين يتجه إلي الله، وحين يدرك الصلة الوثيقة بين الدين وبين
الأخلاق والإنسانية، وحين يلتزم بأن يكون له موقف أخلاقي.. يلبي فيه نداء
فطرته.

ولا يكاد يوجد من ينكر أثر الفطرة، وأننا مدفوعون بدافع فطري
لأن نصبح علي صورة أفضل.. وقد يقوي هذا الدافع فيحفزنا علي أن تكون أكثر
اقترابا من حقيقتنا كما تسلمناها من الله عز وجل ـ لا من المجتمع. إننا
عندئذ نكون أكثر انقيادًا لهذه الحقيقة الداخلية، وانقيادًا لقانون وجودنا
الداخلي الذي ينبع من أعماقنا صافيا نقيا لا تتطفل عليه أو تزاحمه ضيوف أو
أوضار الخارج. إننا نكون أكثر أمنا وثقة لأننا في دائرة الفطرة، وفيها
تنفتح أعماقنا علي خالقنا عز وجل انفتاحًا لا يصاحبه شعور بالغربة أو
التحفظ أو الابتعاد أو يأس الوحدة والعزلة أو حسرة العجز.. عجزنا وعجز
الآخرين عن نصرتنا تجاه المصير الذي نتصور أو نخشي أننا سنقابله منفردين.

مع
الله، وفي اتجاه الله، تتمركز ذواتنا في داخلنا.. وتزداد سيطرتها علي
ميولنا المتضاربة المتحفزة للشرود أو الانتقاض أو الانشقاق.. هنالك تزداد
ذات الإنسان وحدةً وثباتًا وتمارس وتحفظ حريتها وإنسانيتها في مواجهة
العالم.

يقول محمد عبد الله محمد ـ إن العقل البشري لم يشترك في
إبداع نفسه ولا في إبداع الحياة، فالحياة أكبر منا بكثير، وليست من صنعنا
أو اختراعاتنا.. إنها كأرض السوق التي ليست ملكا للمتبايعين فيها..حالنا في
الحياة كحال البائع الذي يفرش فرشته في السوق ثم يطويها حين ينقضي
يومه..ومهما انبسطنا أو انقبضنا فإن الحياة لن تتوقف ولن تغير مسارها
ونواميسها من أجل انبساطنا أو انقباضنا.

إننا نتفلسف ونتعلم ونعتقد
العقائد أثناء استعمالنا للحياة داخل الحياة، وباعتبارها صورا ـ ليس إلاّ ـ
للحياة.. ولا قيمة لعلومنا ومعارفنا وعقائدنا إلاّ مع احترامنا للحياة
والأحياء.. أما قول من يقول إننا نصنع حياتنا، فلا يعدو أن يكون إبرازًا
بلاغيا لفوائد الاجتهاد والتعلم والابتكار، وإفساح فرص الترقي والتفتح فيها
ـ في الحياة ـ علينا وعلي الآخرين.. ولو تأملنا لعرفنا أن كل المبادئ
والقيم والمسميات والمصطلحات والمثاليات والماديات وغيرها ـ ليست لها قيمة
أو معني إلاّ بالنسبة لآدميين يعرفون قيمة الحياة والأحياء.

والفطرة
التي تحدث عنها محمد عبد الله محمد ـ ليست الطبيعة الحيوانية الجاهلة
الغافلة، وليست قبول القذارة والهمجية أو الغباء والخرافة والبلادة.. وإنما
الفطرة هي تلك الاستعدادات والملكات والطاقات الدفينة الكامنة في خلقة
الإنسان التي خلقه الله تعالي عليها.. هذه الفطرة التي إذا انطلقت تجعل
لوجودنا معني تابعًا لوجودنا الإنساني.

يعود بنا محمد عبد الله
محمد، لينبه إلي أنه بين هذه الفطرة، وملة إبراهيم وهي ملّة محمد ـ بينهما
تداخل حتمي.. فالفطرة من الملّة، والملّة من الفطرة.. وإغفال الفطرة
الإنسانية هو إغفال لشيء جوهري جدًا في الملّة، لأنه يغفل تنمية وحفظ ملكات
الإنسان واستعداداته وطاقاته، ويؤدي إلي إعاقتها، وهي إعاقة خطيرة للملّة
ذاتها!

هذه الفطرة هي في ملّة إبراهيم ومحمد ـ قوام السير في
الاتجاه إلي الله من عصر إلي عصر.. من خلال مستويات النمو في الملكات
والطاقات الإنسانية، لا تتقيد خُطي الاتجاه إلي الله بمستوي عصر معين، إلاّ
أن يكون هذا المستوي في ذاته ـ مناسبا لفطرة الإنسان في عصر تال، مسايرا
لمطالب إنسانيته.. وعندئذ لا يكون هذا قيدا لخطي الاتجاه لله، بل اطرادا
لمسيرة هذا الاتجاه من خلال مستويات النمو في إنسانية الإنسان.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »