رجائى عطية

الغموض والوضوح في الأساليب الشعرية

شارك الخبر مع أصدقائك

هذا مقال كتبه الأستاذ العقاد ونشر بصحيفة الرجاء فى 23/3/1922، وأعاد نشره ضمن مجموعة «الفصول» التى نشرت عام 1922.

وكتابة الأستاذ العقاد فى هذا الموضوع، تعطى دلالة على مدى اهتمامه بما كان يكتب حتى من غير المشاهير، فقد قرأ لمن أطلق عليه «الأديب الحاذق»، ويدعى صدقى، قرأ له مقالاً بعنوان «فى الهواء الطلق»، استوقفه فيه إشارته إلى الفرق بين عبارات الإفهام وعبارات المشاعر، فرآه على صواب، وراق له قوله: «ولربما يدين الريحانى بأن العبارة الواضحة المعتادة تخاطب الأفهام، وأن المشاعر تُخاطب بلغة أخرى، وبهذه اللغة الأخرى نحن ندين، ولكن غير مطموسة الرموز بل تتراءى معانيها خلف نقاب من الشف لا هو يسترها إلى حد أن يخطئها العيان، ولا هو يبديها إلى حد لا يعود مع خيال القارئ عمل».

وهذا فيما يرى الأستاذ العقاد صواب لا شية عليه، لا سيما الإلماع إلى سبب استهجان الوضوح المفرط فى عبارات المشاعر ، وهو أنه يشل حركة الخيال ويبطل عمله.

بيد أنه يجب فى رأيه ـ أن يقال هنا إن رفع ذلك «النقاب الشفاف» واجب بل فرض على الشاعر كلما تسنى رفعه دون إخلال بالمعنى أو تعطيل لمتعة الخيال.

فقد تقترن العبارة البليغة بمعان كثيرة لا تزال تسترسل فى الذهن حتى يحتويها الغموض فى ظلال الفكر البعيدة، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون لهذا الكلام البليغ نصيب من الغموض الذى لابد تنتهى إليه معانيه.

أنظر مثلاً ـ فيما يستشهد الأستاذ العقاد ـ بقول الآية القرآنية الكريمة: «وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ» ( التكوير 18 ).

ثلاث كلمات موجزة، فأى ثروة معنوية فيها، وأى وضوح وإيجاز ؟!

هيهات أن يوصف أول طلوع الفجر بما تأنسه فى هذه الكلمات الثلاث من إعجاز التعبير ووفرة المدلول وتنوع الصور واتساع المجال لسبحات الخيال.

ما خطرت له هذه الآية مرة، فيما يقول الأستاذ العقاد، إلاَّ وتفتحت أمامه فجأة صورة كاملة للفجر البهيج.. بعضها تهم به العين فى واضحة النهار، وبعضها يلوذ بعالم الأحلام.. فيهب على نفسه نسيم الصباح الندى، ويتمثل الطبيعة يتنهد به صدرها كأول ما تدب الحياة فى الجسم بعد طول النوم والسبات، ويستروح أنفاس الرياض شائعة فى كل مهب ومطار، سيارة بنفحات الرياحين والأزهار. وتتبادر هنا وهناك طيور طار عنها النعاس وخلائق فارقها كسل الظلام، وشملها من أنفاس الصبح ما يشملها من نوره فإذا بها حية صادحة. وإذا الفجر كله كأنه نفَسٌ عميم من أنفاس القدرة الخالقة المبدعة لقدرة الحياة الأبدية المتجددة.

هذه التداعيات لهذه الصور المتتابعة المتكاملة، تلهم بها كلمة «تَنَفَّس»، تلهم بها بسرعة البرق وخفة السحر ولذّة الحلم.

فهل حفلت قط كلمة بمثل ما حفلت به هذه الكلمة الواحدة فى موضعها ضمن ثلاث كلمات ؟!

إن الذى يهرب إلى الإبهام فرارًا من الجلاء ، إنما يهرب من عجز ظاهر إلى عجزٍ مستور !

انظر كذلك إلى ما تقوله الآية القرآنية الكريمة فى الإنذار بيوم القيامة:

«يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» ( الحج 2 ).

هذه الآية بما تصوره وتوحيه من معانٍ، ليس فى مفرداتها أو تركيبها أو معناها شىءٌ من الغموض أو مسحة من الخفاء أو الكتمان.

فإذا التفتنا إلى الشعر فى لغتنا، ألفينا شواهد كثيرة على هذا الوضوح الحافل بالأشباه والنظائر.

انظر إلى قول البحترى وهو شاعر مطبوع، فى وصف الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وانظر إلى بيتٍ لمسلم بن الوليد يصف مُجهلاً من الأرض:

تمشى الرياح به حسرى مولهةً حيرى تلوذ بأكناف الجلاميد.

لا يكاد يخلو كلام شاعر أو كاتب مجيد من أمثلة حسنة على هذه البلاغة المكشوفة السافرة، ومنها يتضح أن ازدحام المعنى قد يعبّر عنه بلفظ لا ازدحام فيه، وأن الكلمة

لا تستحضر فى الذهن معناها المراد ـ لمجرد أن يحوطها الغموض أو يسطع فيها الوضوح، ولكنها تستحضر المعنى وتطلق الخيال متى وقعت فى موقعها واستوت فى سياقها.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك