حازم شريف

«الغازية» لازم ترحل!

شارك الخبر مع أصدقائك

الفرق بين المثقف والسياسي، أن الأول يسعي إلي تغيير العالم، والثاني يبتغي الحصول علي أصوات الجماهير، الأول تعتريه طاقة هائلة، يحلم  أن يفجرها دفعة واحدة، عسي أن تكفي لتحويل مسار مجتمعه بأكمله إلي الأفضل، والثاني يمتلك حنجرة هادرة، يود لو أن يسلطها علي أذان الناخبين في شعاع واحد مركز، لتصمهم عن سماع ما عداها من حناجر باقي المرشحين.

المثقف ينطلق من مواقف مبدئية، أو علي الأقل من مواقف تمثل له حدا أدنى، لا يمكنه النكوص عنه , أما السياسي فإنه يبدل مواقفه المبدئية أحيانا، بنفس السرعة التي يبدل بها المرتزقة ولاءاتهم، لمن يدفع أكثر.

المثقف يسمي الأشياء بمسمياتها، ولا يزايد علي أحد، لنيل شعبية زائفة  أو طارئة من هنا أو هناك، أما السياسي فيمكنه أن يناور و يلف ويدور حول الأشياء، وقد يفعل عكس ما يقول، ويقول عكس ما يفعل.

 و لكن …في لحظات تاريخية فارقة , تتقلص المساحة  بين الطرفين في اتجاه المثقف _ أو ينبغي أن تتقلص – , و ذلك حين تتفاقم الأمور و ترتفع درجة حرارة الغليان و تتعاظم الأزمة , و تشتد الحاجة لبروز تيار إصلاحي – أو يدعي أنه إصلاحي – , من أجل تبديد الغم و فك الكربة و الأخذ بيد الوطن و المواطن و الدولة ذاتها , من قاع التخلف و القهر والفساد , إلي أعلي تل للتنوير و الحرية و الديمقراطية .

أكتب ذلك ليس رغبة مني في تمثل روح  سلامة موسي أو فرح أنطون أو أحمد لطفي السيد , و إنما تعبيرا عن حاجة ملحة في تلمس خيط  فاصل يضع حدا لبعض مشاهد المزايدة التي يقوم بها عناصر حزب تدعي قياداته أنه يمثل كلا إصلاحيا لا يتجزأ , و أن الإصلاح متمثل في برنامج و أقوال و شعارات الحزب يملأ عقول و وجدان السادة الأعضاء أي عقل و وجدان كل ” عضو ” علي حدة .

ما  هي المشكلة ؟

المشكلة في الأساس أن دستور هذه الدولة _ رغم تحفظنا علي الكثير من مواده _ يمنع قيام الأحزاب علي أسس دينية , كما أن تصريحات السادة المسئولين في الدولة و الحكومة و الحزب تؤكد علي رفضهم ذلك بل و تستنكراستخدام الشعارات الدينية لتحقيق اغراض سياسية و آخرها تصريحات قادة الحزب في مؤتمرهم الصحفي يوم الخميس الماضي و التي حذرت صراحة من رفع الشعارات الدينية في الانتخابات البرلمانية الحالية للتأثير علي المواطنين .

كل هذا كلام جميل , لولا ما نشهده من خروج متكرر من أعضاء الحزب و في بعض الأحيان من الدولة عن هذا النهج الذي قد يعني التهاون فيه سقوطنا جميعا في بئر الطائفية و الفاشستية المقيتة .

كيف يتأتي أن تستنكرجماعة الاصلاح في الحزب ما يقوم به مرشحو الإخوان المسلمين في الوقت الذي يوزع فيها أحد مرشحي الحزب الوطني ملصقا انتخابيا كتب فيه ” نؤمن بالحل الاسلامي ” ! في حين اختصر مرشح ثانٍ للحزب الوطني المسافة , و وزع بدلا من الملصقات مصاحف علي الناخبين رافعا شعار ” القرآن هو الحل ” !

أهذا هو برنامج الحزب الذي  ادعت قياداته ان مرشحيه سيخوضون غمار الأنتخابات البرلمانية عليه ؟

أكثر من ذلك , فقد نشرت جريدة المصري اليوم تقريرا في صفحتها الاولي يوم الأربعاء الماضي عن جولة قام بها مرشح الحزب الوطني وزير الزراعة أحمد الليثي في دائرته الانتخابية . و دعك من مظاهر النفاق و استغلال و تسخير إمكانيات وزارته في الجولة التي حفل بها التقرير , و لكن ما يلفت حقا النظر هو صورة التقوي و الورع  التي حرص الوزير و أنصاره أن يرسموها عنه في أذهان الناخبين , حتي إن أحد المواطنين قد ذكر الوزير برفضه حضور حفل كان فيه غناء و رقص قائلا : ترك الليثي المكان فورا عندما ظهرت ” الغازية ” .

و الحقيقة أن الليثي لم يعترض علي القصة – والأغلب أنها صحيحة –  , و لم يحاول حتي أن يغير دلالتها في اذهان الحاضرين بان يقول مثلا إنه ليس ضد الفن و إنما يرفض الفن الهابط المبتذل الذي تمثله ” الغازية ” , أو انه حتي كان يتطلع لمشاهدة رقصها , لولا أن أتاه موعد هام من السماء حرمه من ذلك .

   باختصار فضل الوزير المحسوب علي جماعة الاصلاح  أن يقدم صورة المرشح التقي الورع , تماما كما فضل زميله الاصلاحي الكبير الدكتور يوسف بطرس غالي أن يصطحب معه في أول مؤتمراته الانتخابية المطرب شعبان عبد الرحيم ” نجم الأغنية الشعبية المسفة ” و الكابتن طاهر أبوزيد ” نجم كرة القدم ” , و الأخ علاء بسيوني ” رمز الدروشة و البرامج الدينية ” !

ثم يأتون و يلومون الصحافة الصفراء عما تنشره و تمارسه من إسفاف !

و الواقع أنني لا أستطيع أن أفهم هذه النوعية من الانتحار السياسي , فلا أحد بين الناخبين يمكنه أن  يصدق أن الحكومة أو الحزب الوطني أكثر ورعا من الإخوان , أو أن الشيخ الوزير الليثي أكثر زهدا من مهدي عاكف , و لا أن الحاج يوسف بطرس , أكثر تهدجا من سيف الاسلام حسن البنا .

و بصراحة لا أستطيع أن أفهمه أكثر لأننا نعلم جميعا أن الحزب الوطني سيكسب الإخوان و الجان و كافة القوي المعارضة الأخري  _ سواء كانت الصناديق زجاجية أو خشبية او فولازية _ و ان الوزيرين الليثي ويوسف سيفوزان و لو كره الناخبون . فما الداعي إذن لهذه الممارسات التي تمنح المزيد من الأرضية لدعاة الدولة الدينية , و تؤكد  ان الورع سيد الموقف لا النبوغ السياسي , وان الاسلام هو الحل لا البرامج , و الشريعة هي الدواء لأي داء بغض النظر عن الظرف و التاريخ و الجغرافيا و متغيرات العصر؟!

حان الوقت كي تعلن جماعة الاصلاح ردا قاطعا علي السؤال التالي :

هل مصر دولة دينية أم دولة ” لامؤاخذة ” علمانية ؟

فإذا كانت إجابتهم _ و هو ما أتمناه _ إنها علمانية , فيجب عليهم أن يعلنوها صراحة و لأول مرة أنها دولة علمانية , أحب أن اسمعها علي ألسنة  جمال مبارك و محمود محي الدين و يوسف بطرس غالي و رشيد محمد رشيد و أحمدعز و محمد كمال و حسام بدراوي و جميع كوادر الحزب . أحب أن أسمعهم يرددونها دائما و يشرحونها و يفصلونها للعامة , و أن يؤكدوا أنها لا تعني التضاد مع الدين و إنما وضعه في مقامه المقدس الصحيح بعيدا عن السياسة . و أن الدين عقيدة لا كيمياء و فيزياء و اقتصاد و سياسة !

أريد أن يطرح أحدهم مشروعا لتعديل قانوني يلغي خانة الدين من بطاقة الهوية و الاكتفاء مكانها بصفة مواطن .

أتمني اللحظة التي يردد فيها أي مرشح إصلاحي من أي حزب كان شعار الدين لله و الوطن للجميع و يصفع به  بثقة وجه منافسه إذا ما هدده بشعار الاسلام هو الحل , لا أن يرتعب فيزايد علي خصمه برفع المصحف و تسبيل عينيه !

عليهم ان يفعلوا كل ذلك و اكثر إذا كانوا فعلا جادين فيما يعلنونه جهارا نهارا من شعارات الاصلاح السياسي و التطور الديمقراطي و المشاركة السياسية و حقوق المواطنة .

وقتها ساكون علي اتم استعداد _ شخصيا _ ان اغفر لهم ما ابتلونا به علي حس الاصلاح من قيادات و غلمان و اتباع وزعوا عليهم المناصب و العطايا و المنح و البرامج و القنوات الاذاعية و ربما الفضائية .

لأن كل هؤلاء الأتباع إلي زوال , و الوطن باق , وكل ماتفرزه مزايدات مرشحي الوطني من تداعيات سلبية باقية  بل و قابلة للتطور إلي الأسوأ .

هذا كله بافتراض أن جماعة الاصلاح تشاركني في نفس الاجابة عن السؤال الذي طرحته حول طبيعية الدولة المصرية .

إما إذا كانت تشاركني الاجابة , و تأبي أن تعترف صراحة بذلك أمام العامة،  فإنني أستطيع أن اؤكد سلفا علي استمرار حالة المزايدة بكل ما سيترتب عليها من عواقب وخيمة .

إما إذا كانت جماعة الاصلاح لا تقاسمني الاجابة و تعتقد أن مصر دولة دينية أو دولة نص نص أو اننا مجتمع ذو خصوصية عريق الحضارة ذو شعب متدين له تركيبته النفسية الخاصة إلي آخره من هذا الكلام الجميل المنمق المرسل الذي لا يقول شيئا و لا يعطي ردا و لا يحسم امرا , فأعتقد أنهم حينما سيكون عليهم مواجهة خطب جلل و مشكلة قد تستعصي علي الحل و ربما علي الفهم وهي :

 أن ” الغازية ” لازم ترحل !

و لا أظن أن أتباع الشيخ الليثي وجماهير دائرته و زوجاتهم و ابناءهم و بناتهم سيرضون بذلك… و سيكون من الأسهل ان يرحل الليثي نفسه كما فعل في المرة الأولي !

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »