استثمار

العند يورث الكفر !!! (7)

روت سورة المائدة من الآية 20 إلى الآية 26 ـ مشهدا من عناد بنى إسرائيل ـ الذى أورثهم الكفر ـ مع موسى عليه السلام، فقد جعل عليه السلام يذكرهم بنعمة الله عليهم، إذ جعل فيهم أنبياء، وجعل أمرهم بيدهم بعد…

شارك الخبر مع أصدقائك

روت سورة المائدة من الآية 20 إلى الآية 26 ـ مشهدا من عناد بنى إسرائيل ـ الذى أورثهم الكفر ـ مع موسى عليه السلام، فقد جعل عليه السلام يذكرهم بنعمة الله عليهم، إذ جعل فيهم أنبياء، وجعل أمرهم بيدهم بعد أن كانوا فى ملك فرعون وقومه، وآتاهم نعمًا لم يُؤْتها أحدٌ من العالمين، وطلب إليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التى كتب عليهم أن يقاتلوا من فيها وألاّ يرتدوا على أدبارهم حتى   لا ينقلبوا خاسرين، فبدأ بنو إسرائيل لجاجتهم متعللين بأن من فيها قومًا أشداء جبارين، ولا طاقة لهم بحربهم، وأنهم لن يدخلوها أبدًا إلاّ إذا خرجوا منها .. تقول الآيات : «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ » (المائدة 20 ـ 22).. وتروى الآية 23 من سورة المائدة أنه قد تدخل لإيقاف هذه اللجاجة ـ رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيه، فَحَثَّاهم على الدخول إلى الأرض المقدسة، والأخذ بالأسباب إن كانوا مؤمنين، وأنهم إن فعلوا وتوكلوا فستكون الغلبة لهم، فأبى بنو إسرائيل إلاّ اللجاجة والعناد والتمرد على نبيهم قائلين له : إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون !!

تقول الآيات : « قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ   الْفَاسِقِينَ » (المائدة 22 ـ 26).

ويورد القرطبى فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن، من رواية ابن عباس وغيره، وكذا الطبرى فى تاريخه، أن أحد الرجلين الصالحين المشار إليهما بالآية (23) من سورة المائدة أنهما حَثَّا بنى إسرائيل على طاعة موسى، هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وقيل إن يوشع ـ عليه السلام ـ هو الذى بعثه الله لبنى إسرائيل بعد موسى وهارون   ـ عليهما السلام، وأنه الذى دخل ببنى إسرائيل أريحا ـ لحرب من فيها ..  فأبى بنو اسرائيل إلاَّ عنادهم، وطلبوا أن يكون عليهم ملك يقاتلون معه، فلما قيل لهم حذراً وتخوفاً مما اعتادوه : «هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ » (البقرة 246) ، زعموا أنهم لن ينكصوا ولن يفروا، ولكنهم عادوا لما اعتادوه من عناد ونكوص، جاء عنه بذات الآية (246) من سورة البقرة : «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » (البقرة 246) ، فقال لهم نبيهم إن الله تعالى قد أجابهم إلى طلبهم وأرسل لهم طالوت ملكا ليقودهم فى القتال كما طلبوا، فما بالهم قد نكصوا وخالفوا، حينذاك تعللوا ـ عناداً ـ بأنه   لا يستحق الملك عليهم لأنه ليس من سبط الملوك، ولا من بيت النبوة، ولم يُعْط كثرة فى الأموال يستعين بها فى ملكه، ومن ثم فهم أحق بالملك منه : «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » (البقرة 247).

تروى الآيات ما أداره عناد بنى إسرائيل فى حوارهم الضرير لنبيهم، ورده عليهم وحجته لهم أن الله تعالى مالك الملك يعطى ملكه من يشاء من عباده، أن للملك طالوت علامة أنه سيأتيهم بالتابوت وما كان فيه حين انتزاعه منهم، وأن ذلك لهو البرهان القاطع إنْ كانوا مؤمنين مصدقين بربهم .

وأنت ترى أن العناد هو الذى أسلس المعاندين إلى وهن ذريعتهم فى اللجاجة والاعتراض، وعمائهم عن رؤية أن الله تعالى هو الذى بعث طالوت ملكا عليهم، وأنه سبحانه هو الذى يعطى الملك لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وأن قيادة الحروب شكيمة وقدرة وخبرة وعزم وهمّة، ومعايير ذلك تختلف عن المعايير التى أراد المعاندون فرضها، ولولا هذا العناد لرأوا ما عجزوا عن رؤيته حين عارضوا وأخذتهم اللجاجة، ولولاه لما جبنوا وخشوا لاحقا من جالوت وجنوده ولأدركوا أن الهزيمة تأتى من الخذلان لا من عدد الرجال، وأن الغلبة تأتى على قدر الهمم والعزائم .. وهذا هو درس التاريخ !!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »