رجائى عطية

العقاد ومدرسة الديوان (9)

شارك الخبر مع أصدقائك

لم يكن رثاء شوقى لمصطفى كامل، هو كل ما تناوله العقاد بالتقديم والتأخير فى أبيات مراثيه، للتدليل على أن ذلك لا يفقد القصيدة شيئًا لأنها تفتقد الوحدة الموضوعية، وإنما حرص العقاد على أن يتمثل بقصائد أخرى لشوقى حتى لا يظن القارئ أن ما يتمثل به قصيدة وحيدة، فترى العقاد بعد أن أثبت ما بقصيدة رثاء مصطفى كامل من «تفكك» آيته أن القصيدة مجموعًا بددًا من أبيات متفرقة لا تعبر عن وحدة فنية ولا تؤلف بينها وحدة غير الوزن والقافيه، وما بها من «الإحالة» بفساد المعنى على ضروب، منها الاعتساف والشطط، ومنها المبالغة، ومخالفة الحقائق، وأخذ عليها «التقليد» الذى أظهره تكرار المألوف من القوالب اللفظية والمعانى، وأيسره على المقلد الاقتباس المقيد والسرقة، والولع بالأعراض دون الجوهر.

بعد هذا انتقل العقاد فى كتاب الديوان إلى رثاء شوقى لعثمان غالب، ثم للأميرة المحسنة فاطمة بنت اسماعيل، آخذًا على شوقى أنه جعل فى هذا الرثاء يقسم بالكعبة ذات الأستار، وبقبر النبى المختار، وبفاطمة الزهراء ومجلسها الوضاء، وبالمشهد الحسينى والضريح الزينبى ومقام السيد البدوى ومزار كل شريف من ولد فاطمة الزهراء وعلى بن أبى طالب، ومقسمًا بالعترة النبوية ومراقدها الزكية.

وبهذا القسم المتتالى، استهل شوقى رثاءه للأميرة فاطمة بنت اسماعيل، وهو منثور قوله:

حلفت بالمسترة والروضة المعطرة

ومجلس الزهراء فى الـ حظائر المنورة

مراقد السلالة الطـ يبة المطهرة

ما أنزلوا إلى الثرى بالأمس إلاَّ نيرة

وعقب العقاد قائلاً :

«ولولا أن الأمر أظهر من أن يحتاج إلى قسم لأقسمت له بكل قبلة ومقام، وبكل نبى وإمام، أنه لنسيج وحده فى فكاهة الرثاء، إن كان للرثاء فكاهة، ولم لعمر الله لا يكون له فكاهة وقد أرانا شوقى فى مراثيه أجمع فنًا مبتدعًا منه وطفق يبكى من يبكيهم كافة بنمط يلتبس عليك فيه الجد بالمزح، ويقترن العبث بالمدح ـ أفرأيت أحدًا قط يقسم لك على صدقه فى تعداد مناقب مرثيه كأنه يخشى التكذيب أو يتقى أن يحمل كلامه محمل الرياء والمجانة غير شوقى ؟؟ وإذا أطرد هذا فى جميع شعره فلم لا نحسن الظن ونتلقاه منه على أنه مذهب جديد فى بابه ونتخذ له اسمًا فى أصول البلاغة مصطلحًا عليه: فكاهة الرثاء مثلا كما قلنا أو اسمًا آخر مقبولاً لديه إن لم ترقه هذه التسمية، ثم نورد الشواهد عليه من مراثيه وأنها لكثيرة طويلة بحمد الله الذى لا يحمد على المكروه سواه؟؟

« وسنرى الذين يمارون فى اختراع شوقى لهذا الباب واطراده فى قصائده جميعًا وفى أبيات القصيدة الواحدة، نقول سنريهم أنها ليست بفلتة نظم أو هفوة خاطر ولكنها أصول يرعاها وأسوم يعيها ولا ينساها. وإلاّ فلو كان حذره من التكذيب واتقاؤه تهمة المداجاة فلتة سبقت بها قريحته فى مطلع القصيدة فماذا كان يدعوه إلى أن يقول بعده:

دع الجنود والبنو

د والوفود المحضره

وكل دمع كذب

ولوعة مزورة

«إلاّ أن الأمر بين لمن ينصفون… فالشاعر بدأ قصيدته بالقسم فأشعرنا الريب وإتهم نفسه فى ثنائه، ثم عاد فذكر الدمع الكذب واللوعة المزورة فأرانا حكمة ذلك القسم وأنه لم يبدر منه جهلاً بفنون الرثاء، وإنما تفننا واختراعًا لم يسبق إليه، ونرجو أن لا يبارى فيه.. فإما أن يسمى هذا الاختراع الجديد رثاء كما عهدنا الرثاء القديم فهذا غبن لشاعرنا وتسمية للأشياء بغير أسمائها. فلابد إذن من أن ينتقى له اسم مبتكر طريف وعليه هو تحرير قواعده وضبط أصوله ورسم نماذجه.

«عجيب والله أمر هذا الرجل !! ما رأينا خطأ أشبه بالتعمد ولا توقرًا أقرب إلى المجانة من هذائه فى رئاه. وما التبس الهزل بالإحلال قط التباسهما فى تأبينه وبكائه. فما كان أغناه عن الحلف ومبرات الأميرة أشهر من أن يُرتاب فيها أو يُتنازع عليها ؟؟ »

* * *

وقد حرصت على نقل هذه العبارات بنص ما قاله العقاد، ليكون للقارئ رأيه الخاص، ولو كان المجال يسمح لزدت القارئ بيانًا. وعلى أية حال، فإنه يستطيع أن يستنتج الباقى بالمعايير التى إتخذها العقاد فى نقد رثاء شوقى لمصطفى كامل.

أما رثاء شوقى لعثمان غالب، فقد أخذ عليه العقاد فساد الذوق لأن الشاعر قصد أن يمدح المرء فأقذع فى الهجاء، أو نوى الذم فأتى بما ليس يفهم منه غير الثناء. وبعد ما بسطه العقاد دليلاً على التفكك وافتقاد الوحدة العضوية فى القصيدة، وسوء التعبير عن المقصود والمراد، وأخطاء التشبيه الذى بسطه العقاد سلفًا، عقب فى الختام بقوله:

«ثم ما هذا الولع من شاعر «الموميات» بإقامة الأموات !! فهو ينادى عثمان «قم تر آية» ويصيح بسليمان «قم بساط الريح قام» ويهتف بالأستاذ الإمام شامتا «قم اليوم فسر للورى آية الموت» ويقول للشهيد فريد «قم إن إستطعت فى سريرك» وغير

ذلك مما لا نحصره ولا نود أن نحصره.. أفلم يكفه قيام الأحياء حتى يقوم له كل من فى التراب !!

«ولم ينس شوقى براعة المقطع فختم القصيدة بأليق بيتين يتممان ما فيها من خطل الإدراك وضلال الحس، فقال فى الختام.

الفكر جاء رسوله فأتى بإحدى المعجزان

عيسى الشعور إذا مشى رد الشعوب إلى الحياة

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »