رجائى عطية

العقاد ومدرسة الديوان (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

بيد أن العقاد تعددت الأمثلة التى ضربها فى قصائد لشوقى لا تفقد شيئًا بالتقديم والتأخير فى أبياتها، وحاجاه البعض، ومنهم مندور نفسه، بتقديم وتأخير فى قصائد للعقاد ذاته لا تفقد به القصيدة شيئًا، على أى حال فلا شك أن العقاد لجأ إلى الانتقاء فى هجومه على شعر شوقى، وترك قصائد من بدائع شوقى لا يختلف عليها أحد، سواء من ناحية الشعر المطبوع، أم وحدة القصيدة، أم جمال التعبير وموسيقاه. وبداهة تجاهلها العقاد لأنها لا تخدم أسانيد حملة الهجوم التى شنها على «شوقى» وشعره، مع ملاحظة أنه أعفى من هذا الهجوم ؛ «حافظ إبراهيم» الذى كان يكن له تقديرًا خاصًّا على ما تقدم بيانه، وكان للمازنى رأىٌ آخر ولكنه كتبه بعيدًا عن كتاب الديوان.

ويذكر الدكتور محمد مندور فى كتابه «النقد والنقاد المعاصرون» أن معركة العقاد مع شوقى لم تبتدئ بكتاب «الديوان» الذى ظهر جزآه فى مطلع عام 1921، واشترك فى تأليفهما المازنى مع العقاد، بل ترجع أصول هذه المعركة إلى أبعد من ذلك بكثير.. إذ نطالع فى أقدم مجوعة للعقاد وهى «خلاصة اليومية» تعليقًا كتبه العقاد فى سنة 1912 على أبيات قالها شوقى على قبر بطرس باشا غالى، ومن هذا التعليق نحس بالدوافع النفسية العنيفة التى أوغرت صدر العقاد على شوقى من مثل تزلفه للعظماء، ومداهنته لهم وتمسحه بأبوابهم. فشوقى يقول:

القوم حولك يا ابن غالى خشع

:يقضون حقًا واجبًا وذمامًا.

يتسابقون إلى ثراك كأنه

:ناديك فى عهد الحياة زحامًا.

يبكون موئلهم وكهف رجائهم

:والأريحى المفضل المقدامًا.

ويعلق العقاد على هذه الأبيات الثلاثة بقوله:

«أكان يريد أن يقول: إن زائرى قبر الرجل ـ وفيهم سادات الأمراء والوزراء والعظماء والعلماء، وفيهم نائب مولاه الأمير ووكلاء الدول وأكابر السراة والوجهاء ـ أكان يريد أن يقول: إن هؤلاء كلهم ممن كانوا يقصدون من نادى ابن غالى موئلا وكهف رجاء يستعطون من أريحية ساكنه الجواد، ويستدرون من أفضاله ؟ أم أراد أن يقول كما قال الناس فى هذا المعنى فأخطأ التقليد ؟ أم لعله كان لا يريد أن يقول شيئًا ؟ أم تراه يحس أنهم ملكوا عليه حتى دموع عينيه وأنه نائحة ألمعية أعد ليرثى كل من يموت من خدامها بلا مقابل ؟».

ويرى الدكتور مندور أن «موقف العقاد من أحمد شوقى لم يتحدد نهائيًّا وعلى نحو قاطع إلاّ فى كتاب «الديوان» بجزأيه.. حيث نرى العقاد لا يقر لأحمد شوقى بأية موهبة، بل بأية حسنة شعرية. وعلى العكس من ذلك يهاجم كل شعره جملة وتفصيلا أعنف الهجوم، ولا يجد العقاد ضيرًا فى أن يكشف فى مقدمة هجومه الفنى على شوقى عن البواعث النفسية التى أضرمت فى نفسه كره هذا الشاعر، فهو يتهه بالزلفى لرجال السلطان وبإساءة استخدام ثروته فى اصطناع المهرجين والمطبلين، والنيل من خصومه ومنافسيه سرًّا وعلانية بما فى ذلك زملاء مدرسته الشعرية من أمثال حافظ إبراهيم.. وكل ذلك فضلاً عما لم يصرح به العقاد، مثل هجاء شوقى لعرابى والعرابيين تملقًا للخديوى وبخاصة فى القصائد التى كان ينشرها شوقى فى جريدة «المؤيد» وغيرها غفلا من إمضائه أو بإمضاء مستعار على نحو ما أثبت البحث الحديث.. وكل ذلك فضلاً عن أن العقاد كان مرتبطًا فى صدر حياته بمعسكر الشعب الممثل عندئذ فى «الوفد» أقوى تمثيل على حين كان شوقى لصيقًا بالسراى ومن يلوذ بها أو يناصرها، ولم تظهر بعض اتجاهاته الشعبية إلاَّ لمامًا وبعد عودته من منفاه فى أواخر الحرب العالمية الأولى».

وليس يفوت أنه مع تقدير مندور للعقاد، قد تخللت معالجته تساؤلات ظنى أنها نابعة عما كان بينهما من خلافات فى الرأى، وزاد عليها عدم توفيقه فى ترتيب الفصل الخاص بالعقاد بعد ميخائيل نعيمة وعبد الرحمن شكرى، مما تسبب فى اضطراب وقصور فى البيان!

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »