رجائى عطية

العقاد والشعر والقصة (4)

شارك الخبر مع أصدقائك

الشعر والقصة

كتب الأستاذ على العمارى المدرس بالأزهر، معلقًا على المقياسين اللذين اعتمدهما الأستاذ العقاد للمفاضلة بين الشعر والقصة، وأولهما أن القصة كثيرة الأداة قليلة المحصول، والثانى أن الطبقة التى تروج بينهما القصة لا ترتقى فى الثقافة والذوق والتمييز مرتقى الطبقة التى تفهم الشعر وتشعر بمعانيه.

والمقياس الأول فيما أبدى الأستاذ المعقب، تحدث عنه علماء البلاغة والنقد، فكانوا يرون أن خير الكلام وأبلغه ما جمع المعنى الكثير فى اللفظ القليل، وهذا المقياس وإن صلح للمفاضلة بين عبارة وعبارة، او بين بيتين من الشعر، أو قطعتين من النثر فى موضوع واحد فإنه لا يصلح للمفاضلة بين القصة والشعر، وذلك أن فائدة القصة ليست مقصورة على الغرض الأساسى التى وضعت من أجله، ولكن هناك التصوير الرائع والوصف الدقيق لحركات الأحياء ونوازع النفس.

ويرد الأستاذ العقاد بأن الموازنة بين الشعر والقصة لا تكون إلاَّ بذلك الميزان الذى يقول المعقب إنه لا يصلح للمفاضلة بينهما.لأنه إذا قيل إن هذه القصيدة أبلغ من تلك لجمعها المعنى الكثير فى اللفظ القليل، فإنه لا تفاضل بين فنين أحدهما قاصر بطبيعته عن مرتبة الفن الآخر، بينما هو يفاضل بين كلامين أحدهما فاضل فى الفن نفسه والآخر مفضول فيه.

إما إذا قيل إن الشعر أفضل من القصة، لأن الشعر من شأنه أن يجمع المعنى الكثير فى اللفظ القليل، فتلك هى المفاضلة بين طبيعة الشعر وطبيعة القصة، وإن بلغت فى بابها غاية الإتقان.

ويستشهد الأستاذ العقاد ثانية هنا بالذهب والحديد، فيبدى أن ترجيح الذهب على ذهب بخفة الوزن يدل على ان احد الذهبين ناقص وأن الذهب الآخر كامل، وذلك لا يفيد شيئًا فى الموازنة بين هذا المعدن وغيره من المعادن.

أما إذا قيل إن قليل الذهب أغلى من كثير الحديد، فلا يلزم ذلك أن الحديد ناقص فى صفاته المعدنية، فقد يكون بغاية الجودة والمتانة، ومع ذلك يكون معدن الذهب أغلى من معدن الحديد.

وهذا بعينه هو الذى أبداه فيما يقول الأستاذ العقاد حين قال إن قليل الشعر يحتوى من الثروة الشعورية ما ليست تحتويه الصفحات الطوال من الروايات، فإن احتياج القصة إلى ذلك التطويل لبلوغ أثر الشعر الموجز هو وحده الذى يبين أن قنطارًا من القصة يساوى درهمًا من الشعر، وأن القصة فى معدنها دون الشعر فى معدنه، لأن النفاسة هى أن يساوى الشىء القليل ما يساويه الشىء الكثير.

فهل يقول الأستاذ المعقب إن خمسين صفحة من القصة لازمة للتصوير والحوار الذى يتحقق فى سياق القصة ؟

حسن. فهذا اللزوم نفسه فيما يضيف الأستاذ العقاد هو الذى ينزل بها دون منزلة الشعر فى متعة الذهن والخيال، لأن الشعر بدون هذا الحوار وبغير تمهيد يعطينا فى خمسين صفحة أضعاف ما تعطيه تلك الصفحات من القصة، بل إن القصة لا تعطى شيئًا إلاَّ إذا وصلت بعد التمهيد والحوار إلى مادة الشعر فى لبابها وهى التصوير والخيال.

أما قول الأستاذ المعقب عن المقياس الثانى أنه لا يحسبه فاصلاً فى المفاضلة، بقالة إن الطبقات الدنيا فى الثقافة أو فى الأخلاق لا تروج عندها إلاَّ أنواع خاصة من القصص ليست هى التى يفاضل الكاتب يعنى الأستاذ العقاد بينها وبين الشعر، وإنما هى كما يروج عندهم نوع من القصص رخيص، كذلك يروج عندهم أنواع من الشعر رخيصة، هذا إلى أن ميل العامة ليس دائمًا إلى القصص، فهناك من الأمم ما يميل عامتها وخاصتها إلى الشعر ويروج عندهم.

ويجيبه الأستاذ العقاد بأن ميل بعض العامة إلى الشعر صحيح، ولكن حينما يكون الشعر قصة، وحين يكون الشعر من قبيل ملاحم الهلالى والزير سالم. أما حين يكون الشعر وصفًا كوصف ابن الرومى أو البحترى ، أو حكمة كحكمة المتنبى والمعرى، أو فخرًا كفخر الشريف وأبى فراس الحمدانى، فإن العامة لا تفضله على القصص التى تفهمها، حتى وإن سفت غاية الإسفاف.

آية ذلك فيما يعزز رأيه أن عدد نسخ الطبعة الواحدة من ديوان المتنبى، أقل من عدد النسخ التى تطبع من ألف ليلة وليلة، أو من الروايات العصرية المتداولة، ولا شك ان رواج الروايات يرجع إلى أن تحصيل لذتها أسهل وأقرب من تحصيل لذة الدواوين.

وقد يأكل الفقير اللحوم ويفضل الغنى البقوليات، ومع ذلك لا يقال إن البقول طعام الأغنياء واللحوم طعام الفقراء.
كذلك قد يوجد من العامة من يقرأ الشعر حتى الرفيع منه، كما قد يوجد من الخاصة من يقرأ القصة حتى الوضيع منها، بيد أنه ليس بمستطاع أن يقال من أجل ذلك إن الشعر هو قراءة الجهلاء، والقصة هى قراءة المثقفين.

وهكذا، فأنت ترى أن الأستاذ العقاد لا يتزحزح عن رأيه فى أن الشعر أنفس من القصة، ولكن هل أغلقت القضية إن كانت قضية؟! أحسب أن الآراء ستظل تتباين فى رأيها فى شأن هذه المفاضلة بين الشعر والقصة.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »