رجائى عطية

العقاد والشعر والقصة (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

الشعر والقصة

كتب الأستاذ العقاد هذا المقال للرسالة، ونشر بعددها 635 فى 3 / 9 / 1945، عن مقارنة بين الشعر والقصة، أثارها أديب كتب إليه فى الرسالة «أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها فى فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغنٍ عنها، لأنها فى ذاتها أحد العناصر التى يحتاج إليها قارئ الحياة».

ويبدأ الأستاذ العقاد مقاله عن هذه المقارنة التى أثارها الأستاذ الأديب، بأنه حين يقال إن الذهب أنفس من الحديد، فلا يعنى ذلك سوى الثمن فى سوق البيع والشراء، ولا يعنى ذلك إلغاء الحديد واستخدام الذهب بديلاً عنه فى المصانع والبيوت، ولا يعنى أن الذهب يغنى عن الحديد أو غيره من المعادن فى غرض من أغراضه.

ويقفى بأنه لم يقل فى كتاب «فى بيتى » سوى أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذا العدد من الصفحات من القصة الرفيعة.

وعلى ذلك فلا بأس على ما يقوله الأستاذ الأديب، ولا بأس بالمثل أن يقال إن الحديد معدن نافع لا غنى عنه فى تركيب الآلات وبناء البيوت، وأن الذهب على نفاسته لا يغنى عنه. ومع ذلك فإن الشارى حين يذهب إلى السوق لا يشترى الحديد بثمن الذهب أو الفضة.

ويذكر أنه قال فى كتاب «فى بيتى» إن القصّاص قد يربح الشاعر فى الملكة الذهنية والقريحة الفنية، ولكنه لا يفضل القصة على الشعر من أجل ذلك كما لا يفضل الجميز على التفاح لأن الأرض التى أثمرته أجود من الأرض التى أثمرت التفاح.

وقياسًا على ذلك، فقد يكون تاجر الحديد أغنى أو أكثر ربحًا من تاجر الذهب، وقد يكون منجم الذهب أقل ربحًا ومحصولاً من منجم الحديد، ولكن تقويم المعدنين من ناحية النفاسة لا يتم على هذا التقدير.

ولا شك فى رأيى أن هذه مهارة أو شطارة عقادية فى تطويع ما يريد وإن كان القياس هنا مع الفارق، فالشعر والقصة ينتميان إلى مجال واحد وإن اختلفت أساليب وأبنية التعبير، ولا محل للقياس هنا على الذهب والحديد.

على أن الأستاذ صاحب الرسالة، أراد استدراج الأستاذ العقاد إلى ما يريد، فذكر فى رسالته أنه قرأ قصته «سارة» وقرأ فى الديوان ما يقابلها من شعر، وأنه شعر جيد رفيع، ومع ذلك لا يستطيع أن يقول إنه يستغنى به عن قراءة «سارة»، أو أن «سارة» ليس فيها جديد مفيد من الدراسات النفسية العميقة.

ولكن مثل الأستاذ العقاد لا يستدرج، فرد عليه بأنه ليس فى حاجة لقول هذا فى باب الموازنة بين الروايات والقصائد، لأن الرأى الذى أبداه أى الأستاذ العقاد لا يمحو القصة ويثبت الشعر وحده، وإنما يبقيها ويبقى معها الترجيح بينهما، ويقدم الشعر على القصة فى هذا الترجيح.

وأنه لا حاجة به إلى جهد طويل للتسليم بفضل الشعر على القصة فى هذه الموازنة، فسوف ينتهى إلى هذه النتيجة إذا سأل نفسه أيهما أوفر محصولاً من الشعور والثروة النفسية ؟ ألف صفحة من الشعر المنتقى، أم ألف صفحة من الرواية المنتقاة ؟

أما هو أى الأستاذ العقاد فيرى جزمًا وتوكيدًا أن صفحات الشعر أوفر وأغنى، وأن معدن الشعر من أجل ذلك أنفس وأغنى من معدن الرواية.
فإذا كان الأستاذ الأديب لا يتفق مع ذلك، فليرجع إلى حكم القراء فيما يشعرون به بعد قراءة القصائد وقراءة الحكايات.

ولا شك هنا ايضًا من أن الأستاذ العقاد استخدم لفظ «الحكايات» قصدًا، لترجيح رأيه، وبغض النظر عن الرأى، فإن وصف القصة أو الرواية بأنها محض «حكاية» لا يحيط بمعنى ومحتوى ونسيج القصة والرواية، فقد تقوم القصة القصيرة على مجرد «لقطة» لا حكى فيها، بل إن «سارة» للأستاذ العقاد إفتقدت الحكى، وهى أقرب للتحليل النفسى لنفسية بطلى الرواية فى مواقفهما المختلفة.

وظنى الشخصى أن المسألة ليست مسألة محصول، فالبناءان للشعر والرواية مختلفان، والبناء الجيد لأى منهما يقوم على «عبقرية» خاصة، والموازنة قد تميل إلى قصيدة بعينها إزاء قصة بعينها، بيد أن الموازنة العامة بين الشعر والقصة لا تستقيم ولا حاجة إليها، فضلاً عن أنه لا يسرى عليهما قياس الذهب والحديد، فكلاهما قد يكون ذهبًا، وقد يكون حديدًا، وقد يكون قصديرًا !


ويبدو من مقال الأستاذ العقاد ذاته أن القضية لم تغلق بما أبداه ؛ وكتب إليه فيها معقبًا من أسماه «العالم الفاضل الأستاذ على المعمارى المدرس بالأزهر»، متحفظًا على المقياسين اللذين إتخذهما الأستاذ العقاد للمفاضلة بين الشعر والقصة !.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »