رجائى عطية

العقاد والشعر والقصة (2).. مكانة القصة في الأدب

شارك الخبر مع أصدقائك

سبب كتابة هذا المقال، أن الأستاذ العقاد تلقى خطابًا من يحيى عزام ــ بكلية الآداب جامعة إبراهيم حسب مسماها آنذاك ــ يشير فيه إلى أنه تقدم ببحث فى الكلية قدم فيه رأى الأستاذ العقاد فى القصة، والذى أبداه فى كتابيه: «فى بيتى» و«يسألونك»، وقد استحسنه الأستاذ، إلاَّ أنه اعترض على بعض نقاط.. فاعترض مثلاً على قياس القصة بالطبقة التى تروج بينها، قائلاً إن أرقى أنواع الأدب هو الذى يروج بين جميع الطبقات ويكتب لجميع الطبقات، وأن الأستاذ استشهد بقول بشر بن المعتمر: «والمعنى ليس بشرف بأن يكون من معانى الخاصة، وكذلك ليس يتضح بأن يكون من معانى العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب واحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال..». كما أن الأستاذ أظهر مزية أخرى للقصة وهى أنها تعوق كتب النقد من ناحية الابتكار والخلق. حقيقة توجد كتب نقد تُعد تحفًا أدبية رائعة، وفيها كثير من الخلق والابتكار، ولكن القصة بأسرها خلق وكلها ابتكار من جميع النواحى.. ما تعلق بالموضوع والشخصيات والحوادث.

وأضاف طال الآداب أنه أبدى للأستاذ أن المهم هو الفائدة المتحصلة من الشعور والنقد فى سطر واحد أو صفحة واحدة ــ بينما ما يُجْنى من القصة يكون فى صفحات وصفحات، فرد عليه الأستاذ بما معناه أن الأديب إذا أراد الفائدة العقلية فحسب، أى المعلومات والعلوم، فلا عليه إلاَّ أن يكتب كتابًا علميًّا دون أن يأتى بما فى الأدب من إيماء وجمال وفائدة روحية، ولكن ذلك لن يكون من الأدب فى شىء.

* * *

ورد عليه الأستاذ العقاد بما اعتاده من العناية بما يستحق العناية مما يرد إليه، ونشر رده فى صحيفة الأساس السعدية فى 11 / 1 / 1952، فأوضح ابتداء أنه لم يرد ذكر للخاصة قط فى سياق الكلام على المسائل الأدبية ؛ إلاَّ إذا كان الكلام موجهًا إلى الخاصة أصحاب المزايا الفكرية أو الذوقية، وأنه لم يطلق الكلمة قط على الخاصة بمعنى أصحاب المال أو الألقاب أو الوجاهة، فلا شأن لهؤلاء بالأدب والفن، وقد يفضلهم العامى رأيًا وذوقًا، وأنه من البديه أن الكاتب الذى يذكر الخاصة فى معرض الحديث عن الأدب لا يحسب هوميروس والمتنبى مثلاً من العامة لأنهما فقيران يطلبان الرزق، فقد يكون المرء من الخاصة فى الآداب والفن وهو لا يملك مالاً ولا وجاهة ولا لقبًا.

أما رأى بشر بن المعتمر، فلا يقبله العقل ولا يستند إلى حجة، ذلك أن إعجاب الخاصة بشىء كائنا ما كان ــ هو شهادة له تزكيه عند الخاصة والعامة على السواء، ويسرى هذا على المعانى والأفكار، كما يسرى على المحسوسات والملموسات.

وإذا كانت المحسوسات التى يتقارب فيها الناس محلاًّ للتفاضل بين أذواق الخاصة والأذواق المبتذلة، فليس من الجائز فعلاً ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أن تصبح المعانى والأذواق وليس فيها تفاوت بين رفيع ووضيع وخبير وجهول. وأين هى القصيدة العالمية أو الرواية المثلى ــ التى يتساوى الإعجاب بها والشعور بمحاسنها وإدراك معانيها الخواص والعوام بهذا المعنى المقصود بالخواص.

بل إن كلام بشر بن المعتمر نفسه ــ فيما يقول ـــ يفهمه الخاصة على وجه لا يدركه العامة، فلا ريب مثلاً ــ أن الخزانة التى تستطيع أن تمنح كل آخذ مليونًا من الدنانير، إنما ترضى الأغنياء وترضى الفقراء أو المحرومين، ولكنها بهذا الرضاء لا تمنع الفوارق بين الناس، أو أن تساوى بينهم فى مقدار التقدير.

أما الايجاز والاسهاب، فكلاهما ــ فيما يقول ـــ معهود فى الشعر والقصة وغير مقصور على الشعر وحده، ولا على القصة وحدها، وقد تكفى كلمة واحدة لإثارة الشعور الذى لا تثيره عشرات الصفحات. وقد يطيل الباحث المفكر ليقنع القارئ كما يطيل القصاص فى الشرح والوصف لينفذ إلى مكان الشعور ويحيط بالوصف المؤثر من كافة نواحيه.

ومع ذلك نرى أن الشعراء نجحوا فى رسم «الشخصيات» ببيت أو بيتين حيث يحتاج القصاصون إلى فصول للتعريف بالشخصية.

خذ مثلاً هذا البيت:

يغضى حياء، ويغضى من مهابته

فلا يكَلَّم إلاَّ حين يبتسم

ولا مراء فى أن التعريف «بالشخصية» الموصوفة بهذا البيت، يحتاج إلى تفاصيل وصفحات فى القصة لتبسط هذه الصفات التى يوحى بها هذا البيت فى سطر واحد.

وتتعدد الأمثلة التى يستشهد بها الأستاذ العقاد، ليخرج بأن ملكة الشاعر تغنينا عن ملكة القصاص، وكل ما يزيد بعد ذلك إنما هو المادة التى نأخذ منها هذه الصورة بعينها.

ومن الكلمات التى تسوء دلالتها ــ القول بخطاب العقل وخطاب العاطفة، فليس فى الخطاب ما يتجه إلى العقل ولا يتصل بالعاطفة، والعكس صحيح، فكل خطاب إلى الإنسان فيه مزيج من العقل والعاطفة وإنْ اختلفت النسبة لكل منهما.

وأنت إذا أردت أن تخاطب إنسانًا بشىء يقنعك ولا يقنعه، فأنت تخاطب هذا الإنسان كله بعقله وعاطفته.

إن قارئ الشعر يحتاج إلى ملكة شعورية أو ذوقية، فما هى الملكة التى لابد منها لقراءة القصص والروايات؟

هنا يجيب الأستاذ العقاد على تساؤله، بأنه لم يوجد قارئ للشعر بغير ملكة، وقد يوجد ألوف من قراء القصة خلوًا من كل ملكة إلاَّ الرغبة فى الاستماع إلى «الحواديت».

ويسرى ذلك أيضًا على ناظمى الشعر وواضعى القصة، فأين بين واضعى القصة من يمكن أن يضاهى هومير أو سوفوكليس أو شكسبير أو المتنبى أو ابن الرومى فى طبقة العبقرية.

لا شك أن عالم القصة قد أخرج عباقرة.

بيد أن الأستاذ يرى أن المرء ــ من واقع المشاهدة ــ قد يكون خلوًا من أى ملكة ولا يحول ذلك بينه وبين قصة يقرأها، وأن الغاية القصوى من القصة يدركها أوسط الكتاب وقد أدركوها فعلا، ولا يصدق ذلك على الغاية القصوى من القصيد.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »