رجائى عطية

العقاد والشعر والقصة (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

أحسن الأستاذ عامر العقاد، بجمعه أربعين مقالاً نشرت للأستاذ العقاد فى صحف ودوريات مختلفة ما بين سنه 1945 وسنة 1952، تدور موضوعاتها بين اللغة والأدب، وضمنها كتاب: «بحوث فى اللغة والأدب»، ونشرتها مكتبة غريب بالقاهرة ــ سنة 1970، ورقم إيداعه بدار الكتب 3682 /1970، وقد أشرنا إليه سلفًا تحت رقم (92) بدليل مدينة العقاد ـ بالمجلد الأول.

ومن هذه المقالات ثلاث مقالات يدوران حول الشعر والقصة، نشر أحدها بعنوان «كلمة الشعر» بمجلة مجمع اللغة العربية جـ 7 ص 61، ونشر آخر بعنوان «مكانة القصة فى الأدب» بصحيفة الأساس التى كانت تصدرها الهيئة السعدية بعددها 11/ 1/ 1952، ونشر أقدمها بعنوان «الشعر والقصة» ـ بمجلة الرسالة ـ العدد 635 فى 3/ 9/ 1945.

كلمة الشعر

كل أعمال الثقافة تستحق التشجيع والتنويه، ولا جدوى للموازنة بينها ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ فى هذا الحق، فتناولها يتعلق بالمشيئة والتدبير، ولا تتم ثقافة الأمم بغير الجمع بينها واستكمال جوانبها.

ولكن ربما جازت الموازنة من زاوية الحاجة إلى التشجيع والتنويه، وربما جاز ـ وهو ما يراه ـ أن يكون الشعر أحوجها إلى ذلك، فقد شورك فى ميدانه مشاركة قوية من جوانب كثيرة.
ميدان الشعر هو التعبير عن العواطف الإنسانية وتلطيف الواقع بالأخيلة الصادقة والأحلام الرفيعة. وقد وجد الناس متنفسًا للعواطف والأخيلة فى كثير من المنظورات والمسموعات التى يسرتها المخترعات الحديثة. ومن ثم أصبح نصيب الشعر حصة من حصص كثيرة.

هذا هو شأن الشعر عامة، وعلى الأخص الشعر الذى يعتمد على قيمته الفنية ولا يستند إلى رغبة موقوته.
لهذا فقد صادف تقدير مجمع اللغة العربية ـ صادف محله فى جائزة الشعر فى ذلك العام، لأن الدواوين الأربعة التى نالت التقدير من طراز الشعر الذى يعتمد كثيرًا على محبة الشعر لذاته، ولا يعتمد كثيرًا على الرغبات الموقوته، فضلاً عن أنها تمثل نماذج الشعر العربى فى العصر الحاضر من طرفيها، فتمثل المدرستين الحديثة أو الابتداعية، والمدرسة السلفية أو التقليدية.

والدواوين الأربعة:
ديوان عماد للأستاذ محمود عماد.
وديوان الشوباشى للأستاذ محمد مفيد الشباشى.
وكلاهما من المدرسة الحديثة أو الابتداعية.
وديوان «صرخة فى واد» للأستاذ محمود غنيم.
وديوان «تغريدات الصباح» للأستاذ محمد الأسمر.
وهما من المدرسة السلفية أو التقليدية.

وأهم الفوارق بين المدرستين، فارق يقوم فيه الإجمال مقام التفصيل، وهو فيما يرى الأستاذ العقاد: أن المدرسة الابتداعية تبرر طابعًا شخصيًّا ينفرد به الشاعر فى مبتكراته، ولا يتعدد بتعدد الناظمين على نمط واحد.
أما المدرسة السلفية ؛ فتميل إلى التعميم الذى تغيب فيه النزعات الشخصية بين أطواء النمط المأثور، ويتجه الاختلاف فيه بين الناظم والناظم إلى صيغ التعبير.

■ ■ ■

وتمثل الأستاذ العقاد ببعض ما ورد فى الدواوين الأربعة، فاختار مقطوعات من بعض قصائد ديوان عماد تدل على أنه فيه تصرف وتجديد، واختار للأستاذ الشوباشى من ديوانه ـ وصفه للمناظر المألوفة كالبحر وحقل القمح وليالى الريف، فيصور فى وصفه عن وحى قريحته، مثلما قال فى حقل القمح، وفى ليلة ريفية.
وامثال المعانى فى المختارات التى تمثل بها للشاعرين، تدل على ابتكار وافتنان ولا تتكرر لزامًا فى نظم كل شاعر يطرق هذه الموضوعات، مع تصرف فى أوزان الشعر لا يلتزم بالأوزان المأثورة عن الأقدمين.

■ ■ ■

ينوه الأستاذ العقاد إلى أنه ينبغى ألاَّ يفهم من نسبة الشاعرين الأستاذ غنيم والأستاذ الأسمر إلى المدرسة السلفية ـ أنهما لا يأتيان بشىء من عندهما يحسب لهما، ولكن المقصود من ذلك أنهما يجددان على نمط الأقدمين كما صنع محمود حسن البارودى وحفنى ناصف من قبلهما، وهو ما أبرزه الشاعر الكبير على الجارم فى تعريفه بنهج البارودى، ومدرسة حفنى ناصف، ومذهبهما من نفحات عصر النهضة التى بدأت فى عهد محمد على وترعرعت فى عهد اسماعيل، وأخرجت مصر من ظلمات الجهالة التى رانت عليها بعد زوال استقلالها، ودخولها فى حوزة الدولة التركية منذ أيام السلطان سليم.

والأستاذان غنيم والأسمر أقرب ــ فيما يرى الأستاذ العقاد ــ إلى نهج حفنى ناصف فى التجديد والاقتداء بالأنماط الحية فى شعر شعراء الدولة الأيوبية ودولة المماليك .

■ ■ ■

ومن هذه الأمثلة المقتبسة من شعر الدواوين الأربعة، يبدو جليًا ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أن أصحابها ينتمون إلى مدرستين، وأنهم جميعًا من الشعراء المتصرفين فى طريقتهم الشعرية على اختلاف هذه الطريقة، ولعله من دلائل الطبع الملموسة فى شاعرى المدرستين، أنهم جميعًا يذهبون «مذهبًا طبيعيًّا» يمثل نشأة ودراسة كل منهم.
وقد كان الأصل فى جائزة المجمع أن ينالها شاعر واحد، إلاَّ أن تقارب الملكات والمذاهب، تلاقى فى قصبة السبق، فاقتسمت الجائزة بين الشعراء الأربعة بعد طول المقابلة والترجيح.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »