رجائى عطية

العظماء المشردون‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

هذا العنوان ليس اختياري ـ وإنما اختاره الأستاذ عباس العقاد للتعليق علي كتاب بعنوان: »كارثة القرم الإسلامية«.. أورده في مقالات كتابه: »بين الكتب والناس«.. يدعو في مستهله إلي وجوب أن يطلع قراء اللغة العربية علي الحقائق المجهولة من أمر روسيا السوفيتية ورعاياها من مختلف الأقوام والأديان، ولا سيما الرعايا المسلمين.
 
الكتاب الذي يتناوله العقاد من نحو سبعين سنة، يلم بالمظالم التي أصابت المسلمين علي عهد القياصرة ثم علي عهد البلاشفة، فلم يختلف ما نزل بهم في عهد »الماديين التقدميين« علي ما نزل بهم من جور ومظالم القيصرية في عصور الجهالة والتعصب.. بل زاد عليه أن الحرب لم تقتصر علي محاربتهم للدين وإنما امتدت إلي الوطنية التي تنزع إلي الاستقلال، وهانحن نري »الآن« أن روسيا السوفيتية لم تصبر علي محاربة الأديان بعامة، ولا علي تغليق معابدها ومحاصرة كهنتها، فعدلت عما ظنت قدرتها عليه في شبابها، ثم كان ما رأيناه من نجاح كثير من جمهوريات الاتحاد في الاستقلال عنه!
 
ما كتبه العقاد كان قبل هذه الملاحظة الأخيرة بعشرات السنين، توقف في كتاب »كارثة القرم« عند بعض فصوله التي ذكرت أسماء طائفة من عظماء الروس تحدروا من سلالة الترك المسلمين، بل ولم يكن القيصر بوريس غوردونوس من أصل تركي فقط، بل كان ذلك شأن الأسر الارستقراطية إلي عهد قريب »الذي كتب فيه العقاد«.. يذكر الكتاب أسماء نحو عشرين أسرة كبيرة من هذه الأسرات التي اشتهرت في المجتمع أو في السياسة.
 
الأعجب أن الكتاب كشف عن أن »لينين« زعيم الشيوعية الكبير، ينتمي إلي أصل تركي إسلامي كما جاء في الجزء الرابع من تحقيقات مجمع التواريخ بأنقرة، وارتد آباؤه عن الإسلام في عهد القياصرة الأقدمين هربا من القتل والاضطهاد!
 
لم يقصد الكتاب الذي توقف عنده العقاد إجراء تمحيص لدعوي السلالات، أو لتأييد مفاخر العنصر الطوراني، وإنما أتي بهم للتدليل علي قدم الاضطهاد في الدول الروسية، ويستشهد بالأعلام المشهورين علي اضطرار المسلمين منذ أقدم الأزمان إلي التحول عن دينهم، إن لم يتحولوا عن وطنهم، فراراً من مظالم ذلك الاضطهاد!
 
ما شنه القياصرة في أخريات أيامهم لإثبات أن دعاة الحرية في بلادهم ينتمون إلي أصول غير الأصول القومية، يستحضر سؤالا يقول: ماذا بقي إذن من مفاخر القومية الروسية بعد الذين إرتدوا من العظماء إلي أصول الترك أو الجرمان أو اليهود؟!.. وبماذا تفخر »البلشفية« القومية إذا كان لينين تارة من الترك وتارة من اليهود، وكان تروتسكي يهوديا بلا خلاف، وكان ستالين شركسيا كذلك بلا خلاف؟!
 
لو التزم البلاشفة بالمنطق والتناسق لما اكترثوا لتجريد العنصر السلافي من جميع العظماء والمشاهير، لأن كارل ماركس وأتباعه يبرءون ـ كما هو معلوم ـ من عصبية الجنس والعنصر واللغة ويعتبرونها بقية من بقايا مجتمعات رأس المال. فليس علي المذهب حرج في انتماء الروس إلي السلافيين أو إلي الطورانيين أو إلي الساميين أو إلي الجرمان، إذا التزم البلاشفة المنطق في كل ادعاء.
 
ولكن البلاشفة ـ فيما يقول العقاد ـ لا يلتزمون المنطق في هذه الدعوي علي الخصوص، فهم يبذلون في تزكية العنصر السلافي أضعاف ما بذله القياصرة، ويردون كل اختراع إلي أصل سلافي قديم أو حديث.. فلم يكن »ماركوني« هو صاحب اختراع الناقلات الأثيرية، بل السلافي: اسكندر بوبوف الذي اهتدي للفكرة 1895.. ولم يكن »إديسون« هو صاحب البصيلة الكهربائية، بل السلافي الرائد الروسي لوديجين.. ولم يكن »لا فوازييه« هو صاحب القول ببقاء المادة، بل السلافي ميخائيل لومنسوف الذي سبقه إلي هذه التجارب قبل عشرين سنة.. وهكذا!!
 
غلبت تزكية العنصر السلافي علي محاذير التشبه بالمتعصبين الوطنين، علي ما في ذلك من تناقضات لتقريرات علمائهم عن أصول الوراثة ومزايا الأجناس والأسر والطبقات!
 
فلو صح أن جنساً يستأثر بمزايا النبوغ بغض النظر عن تخلف البيئة والمحيط ـ لصح أيضا أن مزايا النبوغ وراثة ملازمة للسلالة وعلم السلالات المستنكر علي علماء غربيين!
 
مع ظهور النقائض تثبت الحقائق وتذهب الأباطيل!
 
أو كما قال أبو العلاء المعري في إشفاقه علي الإنسان أن يرجع إلي الطين فيصنع منه إناءً يحمله المرتحلون من بلد إلي بلد:
 
لــعل إنـاء مـنه يصنع مـرة
 
فيأكل منه من يشاء ويشرب
 
ويحمل من أرض لأرض وما دري
 
فواهـاً له بعد البلي يتغرب!
 

شارك الخبر مع أصدقائك