شريف عطية

العرب وإسرائيل .. بين الالتحام العسكرى والتلاحم السلمى

شارك الخبر مع أصدقائك

رغم اتفاقات التسوية المبرمة بين إسرائيل وكل من مصر طوال السبعينات.. ومع الأردن والفلسطينيين منتصف التسعينيات من القرن العشرين إلا من تحاشيهما معالجة مسألة التطبيع .. ما يحول بين التوصل إلى سلام ليس غير بارد، كلّ لأسبابها، إذ يشترط العرب – دونه – قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 (الأرض مقابل السلام)، فيما لا يرعوى العبرانيون عن السعى لبناء «إسرائيل الكبرى» – من النيل إلى الفرات – ما يعيد التعايش المتبادل لأشبه بصراع وجود بين قاتل ومقتول أو بين اللص وصاحب البيت، الأمر الذى ترتد مرجعياته إلى ثلاثينيات القرن الماضى، وقت انقسم الإسرائيلين ما بين الداعين إلى اتصال التعايش السلمى مع العرب، كالدأب بينهم ويهود الشرق لقرون خلت، وبين الداعين لتطويع العرب – بالقوة- من جانب «أبناء الموت»، كما يطلق على اليهود الوافدين لفلسطين من شرق أوروبا، إلى أن كان لهم غلبة الرأى لبناء الدولة المفترضة – كمجتمع حرب – وفق تعبير «بن جوريون»، ما يوفر الضمان للحيلولة دون تفكك النسيج الهش الموزاييكي لليهود المجلوبين من شتى بقاع الأرض، خاصة عند مواجهة عدو خارجى متخيل .. يجرى تضخيم مخاطره من جانب جيران الدولة المنتظرة، ناهيك عن تأكيد تدفق المهاجرين إليها .. وفى استمرار تلقيها المنح والمساعدات الخارجية.

إلى ذلك السياق من فرض المواجهة – بالقوة مع العرب – كان من الطبيعى استدراج دول عربية إلى الحرب فى العام 1948، لم تكن تملك لها أدوات النصر، فيما تمادت إسرائيل فى رفض القرارات الدولية لتقسيم فلسطين، وكذلك حاكاها العرب، وهو ما كان يلائم الغايات العليا للمشروع الصهيونى.. فى فرض السلام من مركز القوة، وبشروطهم، ولتتصدر مصر من ثم من واقع مسئوليتها القومية، وللدفاع عن دورها الإقليمى من السطو الإسرائيلى، عبء التصدى لجولات متتالية من الالتحام العسكرى مع إسرائيل، وحلفائها الغربيين، حتى العام 1973، قبل أن تقبل بالوساطة الأميركية لتسويات أفضت بهما إلى سلام منفرد 1979، راوغت إسرائيل عن استكمال شموليته، ما دام قد تحقق لها عزل مصر عن دائرة الصراع، ما أبقى على بذور نزاعات استراتيجية، حيث لم تتوافر بعد مقتضيات التطبيع المرفوضة من الرأى العام العربى إذ لم ترتبط بالانسحاب الإسرائيلى الكامل من الأراضى العربية المحتلة، كذلك المؤجلة من جانب سيكوباتية إسرائيل المفزوعة من توابع التطبيع ما لم يتحقق لها من مركز القوة، وبشروطها، ذلك فيما قد غاب عن كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية استباق تسوياتها مع إسرائيل، بتمحيص مبكر لعناصر السلام وأهدافه وطرق الوصول إليه، وعن الشكل النهائى له، كذلك بالنسبة إلى العلاقة بين التعهدات الجزئية والشاملة، كى لا يلحق مصير التلاحم السلمى لصالح إسرائيل كما كان الأمر لها فى حقبة الالتحام العسكرى، باستثناء معركة التطبيع المعلقة نتائجها on the top of the list .. التى يتحدد بناء على مضامينها طبيعة الحل النهائى من وجهة نظر جانبى الصراع العربى – الإسرائيلي.

لقد كان يطيب للرئيس السادات القول فى جلساته المحدودة.. إنه لا يسعى للتطبيع مع إسرائيل .. إنما مع الولايات المتحدة الأميركية، ذلك فى سياق – ربما – متخيل لشكل العالم بعد عقود يتراجع خلالها نفوذ الأحادية القطبية الأميركية، ومن ثم إلى انحسار انحيازها المطلق لإسرائيل، إلا أن التطبيع المفترض من جانب «السادات» مع واشنطن لم يسفر حتى الآن سوى عن المزيد من تلبية الإدارات الأميركية المتتالية لأهداف إسرائيل التوسعية، ما يفرض على الرأى العام العربى أن يتحمل نيابة عن الحكام.. مسئولية مقاومة التطبيع التى تسعى إسرائيل جاهدة إلى اختراق الشعبية العربية إليه، سواء من خلال أعمال أدبية أو دراما «تليفزيونية» أو عبر دبلوماسية الكواليس الشخصية مع المسئولين ورجال الأعمال العرب.. إلخ، ما يؤكد من عدمه احتمالية خضوع المنطقة لما يسمى «الحقبة اليهودية» التى تطلع إليها «شيمون بيريز» فى خطابه 1995 بالدار البيضاء، وهو الأمر الذى بات يمثل – راهناً – جزءاً أساسياً من النقاش العام حول مستجدات الواقع العربى – الإسرائيلى، كقضية خلافية يتصارع بشأنها الطرفان من أجل الهيمنة، وذلك من دون استثناء تنافسات الجارات الأخرى غير العربيات، تركيا – إيران – أثيوبيا، .. خصماً من الرصيد العربى الذى بات أقلهم صوتاً low voice بالمقارنة بالأصوات الأخرى واضحة العداء للعرب، وفى تكالب متسارع منها للإيقاع بالمشروع العربى قبل نهوضه المحتمل من كبوته، أو تحوطاً منها لتبدل الظروف المحلية والإقليمية والدولية عن أنقرة – طهران- تل أبيب- أديس أبابا، إلى غير صالح هذه القوى القابعة على أطراف المنطقة أو الآتية إليها من وراء البحر، فيما تتربع الثوابت العربية – الجغرافية والتاريخية – فى قلب المنطقة، تتطلع لحقها فى الهيمنة من موقعها الحضارى المتفرد، سواء عبر جولات الالتحام العسكرى أو مع قوى التلاحم السلمى، ذلك فيما تعرف الشعوب التى عركت تلك التجارب المهلكة أن لا فائز فيها ولا خاسر، بقدر أن الكل مهزوم فى التحامات دامية عصفت بمقادير الملايين.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »