رجائى عطية

العدوان الثلاثى وانتصار الإرادة المصرية (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

وقفة مصر

وصاحت مصر كلها، تردد وراء عبد الناصر صيحتها الخالدة: « إذا كان قد كُتب علينا القتال، فلن يوجد من يكتب علينا الاستسلام ».

ومع إعادة القوات المصرية المسلحة توزيعها على ضوء مخطط الهجوم الذى اتضح، وزعت مصر السلاح على شبابها، وقد تطوعتُ وقتها مع غيرى فى الحرس الوطنى، حيث طفقنا نتدرب على السلاح والأعمال القتالية للدفاع عن البلاد.

الهجوم الأنجلو فرنسى على جبهة القناة

منذ مساء 31 أكتوبر، بذريعة رفض الإنذار البريطانى الفرنسى الذى كان لا بد من رفضه، أطلقت قيادة الحلفاء فى شرق البحر الأبيض قوة جوية ضمت 120 قاذفة قنابل تعمل من قواعد مالطة وقبرص، و200 قاذفة مقاتلة بريطانية فرنسية، و250 مقاتلة انطلقت من حاملات الطائرات الخمسة فى شرق المتوسط، لتشن غاراتها الجوية على المطارات والقواعد والمواقع المصرية.

وبدأت الهجوم على بور سعيد فجر 5 نوفمبر، والإبرار البحرى إلى شواطئ الميناء صباح 7 نوفمبر، وقاتلت القوة المدافعة عن بور سعيد قتالاً باسلاً والتفت حولها عناصر المقاومة الشعبية، واستمرت فى التصدى للغزو يومى 7 و8 نوفمبر، بالرغم من صدور قرار وقف إطلاق النيران فى منتصف ليلة 6 / 7 نوفمبر، بعد قصة يجب أن نرويها !

توقع الفيتو الثانى واللجوء إلى الجمعية العامة

طلبت مصر اجتماعًا عاجلاً لمجلس الأمن لبحث هذا العدوان الصارخ وخرق ميثاق الأمم المتحدة، ولدى اجتماع المجلس فى وقت متأخر من نفس اليوم لبحث طلب مصر، اتضح أن حكومتى بريطانيا وفرنسا ستلجآن للفيتو الثانى لوقف قرار المجلس، فاقترحت يوغوسلافيا دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وضح اتفاق الدول الآسيوية الأفريقية على إدانة العدوان، وظهر تكتل دولى ضد العدوان لم يسبق له مثيل، اشترك فيه الاتحاد السوفييتى والكتلة الشرقية إلى جانب مصر.

والعجيب أنه لدى اجتماع الجمعية العامة، عارضت بريطانيا وفرنسا عرض مشكلة الشرق الأوسط عليها، فرفضت الجمعية اعتراضهما، وقدمت الولايات المتحدة مشروع قرار يتضمن وقف إطلاق النار من جانب الأطراف المعنية فورًا، وتمت الموافقة على هذا المشروع بأغلبية ساحقه.

وفى الخامس من نوفمبر، وجه الاتحاد السوفييتى إنذاره الشهير لبريطانيا بأنها ستجد نفسها فى مواجهة دولة قوية عنها لن تضربها بالطائرات والسفن، ولكن بأسلحة أشد وأفتك وهى الصواريخ الموجهة، كما وجه « بولجانين » إنذاره إلى « بن جوريون » يحذره من مغبة نتائج مسلك إسرائيل.

وتم وقف إطلاق النار فى يوم 6 نوفمبر 1956، وناقضه المعتدون، حتى توقف القتال تمامًا بعد يومين !

لا تطهير للقناة إلاَّ بعد الانسحاب

صممت مصر على ألاَّ تبدأ تطهير القناة قبل تمام انسحاب القوات المعتدية ونفذت تصميمها، ولم تبدأ التطهير إلاَّ بعد أن انسحبت القوات البريطانية الفرنسية تمامًا من بور سعيد يوم 23 ديسمبر 1956، وقد صار اليوم عيدًا للنصر.

نعم هو عيد للنصر

تماحك المتربصون والكارهون بأن القوات المصرية المسلحة لم تحقق انتصارًا عسكريًّا فى العدوان الثلاثى 1956، وهو تماحك يتجاهل أن الحروب: نصرًا أو هزيمةً، إنما تقاس إلى نتائجها.

والذى لا شك فيه أن التحالف الثلاثى ـ غير المقدس ـ لم يحقق أهدافه من العدوان الثلاثى، فلم يجر احتلال سيناء، وأخفق فى احتلال منطقة القناة أو إحياء القاعدة البريطانية التى كانت فيها حتى أكتوبر 1954، ولم يتم تدويل القناة، والذى دلّت عليه وأكدته الحوادث، أن أنتونى إيدن ـ رئيس الوزراء البريطانى، قد اضطر لقبول وقف إطلاق النار قبل أن تسيطر قواته على بور سعيد، ثم الانسحاب، بعد أحداث مائة يوم أنهكت فيها بلاده أزمةٌ طاحنة، لم يحقق فيها شيئًا من أغراض هذا العدوان الثلاثى والحرب الضريرة التى شنها.

أما مصر، فلا مراء أن النتائج مثلت نصرًا لها، فقد حالت بين العدوان الثلاثى وبين تحقيق أغراضه، وأجبرته القوات المصرية فى النهاية على الانسحاب بلا ثمرة، وبقيت أراضيها ومياهها طاهرةً من الدنس، واستعادت قناة السويس وفرضت إرادتها وإدارتها التى ظلت تنمو وتتطور معها القناة إلى يومنا هذا، وكان من ثمرات تجارب هذه الحرب، أن استكملت مصر بناء وتسليح قواتها المسلحة على أحدث الأسس وأقواها، ثم كان من مردودات هذا النصر، ما جاوز مصر إلى المنطقة العربية، وإلى العالم الثالث بأسره، الذى صار ينظر بإعجاب واقتناع وإقتداء، إلى صلابة الإرادة المصرية، وقدرتها على التصدى لهذا العدوان ـ على المحاور الحربية والسياسية والدبلوماسية، وقيادته لحركة الحياد الإجابى وعدم الانحياز، وإجبار الاستعمار على التراجع، ضاربًا المثل لكل الشعوب على أنها تقدر وتستطيع تحقيق ما تريد.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »